الألغام الفرنسية في الجزائر: جرح تاريخي يتطلب العدالة

تسعى الجزائر إلى وضع قضية تطهير أراضيها من الألغام ومخلفات التفجيرات النووية ضمن أولويات النقاش الدولي، حيث تعتبرها جزءا أساسيا من مساعي "مصالحة الذاكرة" مع فرنسا. وأوضح المسؤولون أن هذا الملف يمثل شرطا أساسيا لإرساء علاقات طبيعية ومتوازنة، بعد سلسلة من العثرات التي شهدتها العلاقات الثنائية، والتي كانت نتيجة للآلام التي خلفتها الحقبة الاستعمارية. كما أشاروا إلى ضرورة الاعتراف بجرائم الاستعمار والمطالبة باعتذار رسمي.
بعد مرور أكثر من 64 عاما على الاستقلال، لا يزال ملف الألغام المضادة للأفراد يشكل تحديا بارزا في السياسة الخارجية الجزائرية. وذكر إدريس لطرش، ممثل الجزائر الدائم في مجلس حقوق الإنسان، خلال الدورة الثانية والستين المنعقدة في جنيف، أن الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي لا تزال تشكل تهديدا حقيقيا لحقوق الإنسان، حيث تؤثر بشكل مباشر على حياة السكان في المناطق الحدودية.
وأضاف لطرش أن الاستعمار زرع نحو 11 مليون لغم، مما أدى إلى تداعيات خطيرة على حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن آثار الألغام ليست فقط خسائر بشرية مباشرة، بل تشمل أيضا انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان الأساسية. وتعتبر تجربة الجزائر في هذا السياق محملة بإرث ثقيل، حيث تمثل الألغام تحديا للجهود الرامية إلى تحقيق التنمية المستدامة وحرية التنقل.
كما كشف عن أن الألغام لا تزال تحصد الأرواح، رغم جهود التطهير التي بُذلت، حيث تشير الإحصائيات إلى وجود جراح جسدية وإعاقات دائمة وصدمات نفسية واجتماعية تعاني منها الضحايا وعائلاتهم. وأكد أن انتهاء عمليات التطهير لا يعني انتهاء مسؤولية فرنسا تجاه الضحايا، خاصة فيما يتعلق بالتعويضات.
وخلال الاجتماع في جنيف، تم بحث دور مجلس حقوق الإنسان في تعزيز دعم ضحايا الألغام، بمشاركة دول ومنظمات دولية وإنسانية متخصصة في مكافحة الألغام. وشدد لطرش على أن العمل ضد الألغام يجب أن يتجاوز مجرد تدميرها، حيث يتطلب ضمان دعم شامل ومستدام للضحايا وإعادة إدماجهم في المجتمع.
وفي السياق التاريخي، أشار إلى أن السلطات الاستعمارية الفرنسية قامت بإنشاء "خط موريس" المكهرب على الحدود مع المغرب، الذي يمتد على 700 كيلومتر، والذي تم تعزيزه بخط شال على الحدود الشرقية. وأكد التقرير المقدم إلى الأمم المتحدة أن الألغام خلفت نحو 7300 ضحية منذ الاستقلال، مما يؤكد على ضرورة معالجة هذه القضية بجدية.
وأبرز التقرير أن الجهود المبذولة في تطهير الأراضي المزروعة بالألغام أسفرت عن تفكيك أكثر من مليون لغم، وتطهير أكثر من 50 ألف هكتار من الأراضي، مما يعكس أهمية العمل المستمر في هذا المجال.







