المدرسة الحزبية في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الاردني: بناء الكادر السياسي بسلاح الفكر والتاريخ
نفّذ الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني ومن خلال مدرسته الحزبية تجربة تدريبية وفكرية متكاملة، جمعت رفاق الحزب من مختلف محافظات المملكة في برنامج متطور ومتعدد المحاور، تنوّعت فيه المحطات بين الاقتصاد السياسي وفلسفة الحركات التنويرية وأدوات المناصرة الفعّالة، لتبلغ ذروتها بعرض فيلم "معركة الجزائر" في تجربة جمعت بين عمق الفكر وحرارة الوجدان.
دراسة النقيض.. منهجية الحزب في فهم الخصم
في خيار يكشف عن نضج فكري وأمانة فلسفية، حرص الحزب على أن تتضمن مدرسته الحزبية محاضرةً تُعرّف أعضاءه بالنقيض الفكري والسياسي لمشروعهم، إذ قدّم الدكتور رعد التل محاضرته "النيوليبرالية والديمقراطية الاجتماعية"، أدارها رئيس المجلس العام للحزب الدكتور فلاح الجبور الذي أكد في مستهلها أن فهم الخصم شرط لا تنازل عنه في أي مشروع سياسي جدي.
ولا يُعدّ هذا المنهج ترفاً أكاديمياً، بل هو عصب التكوين الحزبي الرشيد؛ فالكادر الذي لا يعرف حجج خصمه لا يستطيع دحضها، والحزب الذي يكتفي بتكرار قناعاته دون مواجهة منطق النقيض يتحصّن في فقاعة لا في موقف. وقد كشفت المحاضرة كيف تقوم النيوليبرالية على تقليص دور الدولة وإطلاق يد قوى السوق والخصخصة، في مواجهة مباشرة مع نموذج الديمقراطية الاجتماعية الذي يضع الدولة حارسةً للعدالة وضامنةً لكرامة المواطن، وأفضت إلى نقاش تفاعلي حاد حول تداعيات هذه السياسات على المجتمعات العربية والبدائل الممكنة.
الحركات التنويرية وكسب التأييد.. الفكر أداةً للفعل
استكمل المشاركون مساراتهم التدريبية بجلسات تناولت الحركات التنويرية ودورها التاريخي في تشكيل مفاهيم الحرية والمواطنة والديمقراطية، ثم انتقلوا إلى جلسة عملية في مهارات كسب التأييد والمناصرة، تناولت أدوات بناء الحملات وصياغة الرسائل المؤثرة وآليات التحالفات، في مسعى لتحويل الوعي الفكري إلى فعل سياسي قادر على التأثير.
"معركة الجزائر".. حين يتكلم التاريخ بلسان السينما
لم يكن اختيار فيلم "معركة الجزائر" للمخرج جيلو بونتيكورفو ليُختتم به برنامج المدرسة الحزبية محض ترفيه ثقافي، بل كان بياناً سياسياً صريحاً صاغه الحزب بلغة الصورة. هذا الفيلم الخالد الصادر عام 1966، والذي وثّق بعين المقاتل وضمير الإنسان الصراعَ البطولي للشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، لم يصنع مجرد تحفة سينمائية، بل صنع مرجعاً لحركات التحرر في كل قارات الأرض، من فيتنام إلى جنوب أفريقيا إلى فلسطين. وقد صنّفته مؤسسات سينمائية عالمية بين أعظم الأفلام في تاريخ البشرية، لأنه لم يروِ معركة فحسب بل جسّد حقيقة: أن الشعوب حين تُقرر التحرر لا تُهزم.
وأضفى حضور الأستاذة لينة مريم عباس، المكلفة بالشؤون الإعلامية في السفارة الجزائرية في عمّان، بُعداً دبلوماسياً ورمزياً عميقاً على الحدث؛ إذ جاء حضورها تجسيداً لاستمرار الروح الجزائرية التحررية حاضرةً في وجدان الأمة، وتأكيداً على أن الجزائر ليست مجرد ذاكرة تاريخية بل نموذج حيّ لإرادة الشعوب.
وفي أعقاب العرض، اندلع نقاش مفتوح وعميق حول حركات التحرر في العالم ودورها في تشكيل مسارات النضال الوطني والتحولات السياسية والاجتماعية، أكد فيه المشاركون ما يمثّله عرض هذا الفيلم من رسالة لا لبس فيها: أن الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني يقف إلى جانب حركات التحرر ومقاومة الاستعمار في كل زمان ومكان، لأن الانحياز للحرية ليس موقفاً ظرفياً بل ركيزة راسخة في صميم مشروعه السياسي ومنظومته القيمية.
الحزب يبني كوادره بالفكر والتاريخ والالتزام
في مجمل ما قدّمته المدرسة الحزبية من محتوى فكري وتدريبي وثقافي، يرسم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني ملامح مشروعه في بناء الكادر السياسي المؤهل: كادر يعرف خصمه ويفهم تاريخه ويمتلك أدوات فعله، ويحمل في وجدانه الانحياز الأصيل لقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، أينما كانت وأياً كان ثمنها.







