الصين تسعى لفرض هيمنتها التكنولوجية عبر معايير جديدة

في أوقات الذروة، تتدفق السيارات بسلاسة عبر الشوارع بفضل إشارات المرور الذكية التي تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي. وكاميرات المراقبة التي تتعرف على الوجوه واللوحات بسرعة، ترسل البيانات إلى مراكز تحكم سحابية محمية بتقنيات تشفير متطورة. وتدير أنظمة الطاقة والمياه والنقل العام عبر شبكات الجيل الخامس، بينما تسيطر التطبيقات التي تستخدم بروتوكولات محلية على المدفوعات والخدمات الحكومية. كل تفاصيل الحياة اليومية تسير عبر برمجيات ومعايير تقنية محلية.
هذا المشهد ليس خيالاً بل واقع في مدن مثل لاغوس ونيروبي وبانكوك، التي أبرمت اتفاقيات مع الشركات المحلية. ويعكس هذا الاتجاه رغبة الصين في إعادة تشكيل النظام التقني العالمي. حيث كانت السيطرة في الاقتصاد التقليدي تعتمد على النفط وممرات الملاحة، بينما يرتبط النفوذ اليوم بالمعايير التقنية.
تحدد هذه المعايير كيفية تفاعل الأنظمة والأجهزة. فعندما يتصل هاتف ذكي في القاهرة بشبكة الإنترنت في طوكيو، فإن المعايير التقنية هي ما يسمح بذلك. دونها، تتحول الحياة الرقمية إلى ما يشبه برج بابل حيث تنعزل الأجهزة عن بعضها.
عندما تنجح شركة ما في دمج ابتكاراتها ضمن معيار عالمي، تُصنف براءات اختراعها كبراءات اختراع أساسية. وهذه البراءات تخضع لالتزامات دولية تفرض ترخيصها لضمان عدم الاحتكار. وبالتالي، فإن إنتاج الأجهزة أصبح أقل ربحية مقارنة بالتدفق المالي عبر رسوم الترخيص، مما جعلها سلعة استراتيجية تفوق النفط.
تستثمر بكين بشكل كبير لضمان سيطرتها على هذه المعايير، حيث تعتبر أن من يمتلك المعايير يمتلك المستقبل. وقد أصبحت الصين ثاني أكبر دافع لرسوم الملكية الفكرية في العالم بعد أيرلندا.
تسعى الصين أيضاً من خلال خطة "معايير الصين 2035" لوضع معايير عالمية للتقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية. تهدف هذه الخطة إلى إنشاء نظام حوكمة يعزز من قدرتها التنافسية كدولة مصممة للمعايير التقنية.
تسعى الحكومة الصينية لزيادة وجود خبرائها في اللجان الدولية، والتركيز على براءات الاختراع الأساسية. وتربط مساعدات التنمية بتبني معاييرها، مما يساهم في بناء جدار حماية رقمي داخلي.
تسعى بكين لتوحيد المعايير في القطاعات الاستراتيجية، وزيادة مشاركة شركاتها في صياغة المعايير العالمية. وتعتبر هذه الجهود جزءاً من خطتها لتصدير التقنيات والمعايير عبر مبادرة "طريق الحرير الرقمي".
تستهدف هذه المبادرة بناء بنية تحتية رقمية متطورة في الدول المشاركة، مما يعزز التعاون الرقمي ويزيد من الاعتماد على التقنيات الصينية. وتمتلك الشركات الصينية القدرة على تقديم أسعار تنافسية بفضل الدعم الحكومي، ما يجعلها تتفوق على المنافسين الغربيين.
ومع ذلك، تسود حالة من القلق في الولايات المتحدة التي ترى أن هذا النفوذ يمثل تهديداً مباشراً لتفوقها التجاري. تسعى واشنطن لاستبعاد المعدات الصينية من شبكات الجيل الخامس لدى حلفائها، مشددة على مخاوف الأمن القومي.
تستمر الصين في توسيع نفوذها عبر تقديم مقترحات جديدة في المنظمات الدولية، حيث تسعى لوضع بروتوكولات جديدة تدعم رؤيتها. ومع ذلك، تثير هذه الاقتراحات جدلاً كبيراً بشأن الرقابة والتعقيد.
تشير التحليلات إلى أن هذه الديناميكيات قد تؤدي إلى بلقنة العالم الرقمي، حيث ينقسم إلى معسكرين متنافسين، مما يعيق الابتكار ويزيد من التكاليف. في ظل هذه الأوضاع، يمثل الصراع على المعايير التقنية ساحة جديدة للمنافسة الجيوسياسية.







