متلازمة الغطرسة Hubris Syndrome: كيف تُغيّر السلطة شخصية القادة وتقود إلى قرارات كارثية؟
لماذا يتغير سلوك بعض الأشخاص بصورة ملحوظة بعد توليهم مناصب قيادية أو مراكز نفوذ؟ ولماذا يتحول بعض القادة من أشخاص متزنين إلى أفراد يتسمون بالتعالي، ورفض النقد، واتخاذ قرارات متسرعة قد تكون عواقبها وخيمة؟
يرى عدد من الباحثين أن هذه التحولات قد ترتبط بما يُعرف بـ "متلازمة الغطرسة" (Hubris Syndrome)، وهي حالة نفسية وسلوكية مكتسبة قد تظهر لدى بعض الأفراد بعد وصولهم إلى مواقع السلطة والقوة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، فتؤثر في طريقة تفكيرهم وتقديرهم للأمور وعلاقاتهم بالآخرين.
تعريف المتلازمة
يعود مفهوم الغطرسة (Hubris) إلى الفلاسفة الإغريق القدماء الذين استخدموه لوصف الإفراط في الكبرياء والثقة بالنفس والتعالي على الآخرين. وفي العصر الحديث، اهتم عدد من الباحثين بدراسة هذه الظاهرة وعلاقتها بالسلطة والنرجسية.
ورغم التشابه بين متلازمة الغطرسة واضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder - NPD)، فإن بعض المختصين يرون أن هناك فروقًا بينهما؛ فاضطراب الشخصية النرجسية غالبًا ما يبدأ في مرحلة مبكرة من العمر، بينما تُعد متلازمة الغطرسة حالة مكتسبة قد تظهر في أي مرحلة عمرية بعد تولي مناصب ذات سلطة ومسؤولية كبيرة.
وقد وصف الطبيب والسياسي البريطاني ديفيد أوين(David Owen) هذه الحالة بأنها تغير سلبي في الشخصية ينشأ نتيجة "التسمم بالسلطة" (Intoxication of Power)، حيث تؤدي القوة والنفوذ إلى تضخم الشعور بالأهمية والثقة المفرطة بالنفس.
أبرز أعراض متلازمة الغطرسة
تشمل السمات الأكثر شيوعًا لمتلازمة الغطرسة ما يأتي:
• الثقة المفرطة بالنفس والشعور بتفوق الذات على الآخرين.
• المبالغة في تقدير القدرات الشخصية وتجاهل حدود الواقع.
• التهور والاندفاع في اتخاذ القرارات دون دراسة كافية للعواقب.
• رفض الاستماع إلى آراء الآخرين أو التقليل من أهميتها.
• الإصرار على الرأي حتى عند ظهور مؤشرات واضحة على خطئه.
• استخدام ضمير "نحن" بصورة متكررة للتعبير عن تضخم الذات وربطها بالمؤسسة أو الدولة.
• الشعور بالتميز والاستثنائية وعدم تقبل النقد أو النصح.
• الحاجة المستمرة إلى الإعجاب والثناء من المحيطين.
• الاعتقاد الضمني بديمومة المنصب والسلطة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37].
وعند فقدان المنصب، قد يواجه بعض المصابين بهذه المتلازمة صعوبة في التكيف مع الواقع الجديد، وقد يعانون من الإحباط أو أعراض اكتئابية وضغوط نفسية، وربما تمتد آثار ذلك إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية. وعادة ما تتراجع هذه الأعراض تدريجيًا مع مرور الوقت وتقبّل الواقع الجديد.
آثار متلازمة الغطرسة على المؤسسات والمجتمع
لا تقتصر آثار متلازمة الغطرسة على الفرد فحسب، بل قد تمتد لتؤثر في المؤسسات والمجتمعات بأكملها، خاصة عندما يكون المصاب بها في موقع صنع القرار.
فالمسؤول المتغطرس قد:
• يحيط نفسه بالأشخاص الذين يوافقونه الرأي أو ينافقونه.
• يهمش أصحاب الكفاءة الذين يقدمون آراء نقدية أو مخالفة.
• يخلق بيئة عمل يسودها الخوف وانعدام الأمان النفسي.
• يتخذ قرارات متسرعة تضعف الإنتاجية وتعرقل التطور المؤسسي.
• يساهم في تفكك فرق العمل وتراجع الروح المعنوية للعاملين.
وفي المجالات السياسية والعسكرية، قد تؤدي قرارات القادة المتأثرين بالغطرسة إلى أزمات كبرى أو صراعات وحروب ذات نتائج مأساوية، ويزخر التاريخ بأمثلة عديدة على ذلك.
أمثلة تاريخية
• حملة نابليون على روسيا (1812): تُعد من أبرز الأمثلة التاريخية التي يُستشهد بها عند الحديث عن الغطرسة السياسية والعسكرية، حيث انتهت الحملة بخسائر بشرية هائلة وأسهمت في سقوط نابليون.
• أدولف هتلر خلال الحرب العالمية الثانية: أدت قراراته العسكرية المتعنتة ورفضه الاستماع إلى مستشاريه إلى نتائج كارثية على ألمانيا وأوروبا والعالم.
• شركة ويسترن يونيون: يُستشهد بقصة رفض رئيس الشركة، ويليام أورتن، لفكرة الهاتف التي قدمها ألكسندر غراهام بيل باعتبارها مثالًا على تأثير الثقة المفرطة في رفض الابتكار والتغيير.
توصيات للوقاية من متلازمة الغطرسة
للحد من احتمالية ظهور هذه السمات لدى أصحاب المناصب القيادية، يمكن الأخذ بالتوصيات الآتية:
• تعزيز ثقافة التواضع والمسؤولية، والتأكيد أن المنصب تكليف لا تشريف.
• تشجيع القادة على تقبل النقد والاستماع إلى الآراء المختلفة.
• إنشاء آليات مؤسسية للمساءلة والرقابة واتخاذ القرار الجماعي.
• توفير برامج تدريبية للقادة الجدد حول القيادة المتوازنة والذكاء العاطفي.
• إجراء تقييمات دورية للسلوك القيادي وتأثيره في بيئة العمل.
• تذكير أصحاب المناصب بأن السلطة مؤقتة، وأن النجاح الحقيقي يقاس بالأثر الإيجابي والإنجازات المستدامة.
خاتمة مقترحة
إن متلازمة الغطرسة ليست مجرد سمة شخصية عابرة، بل ظاهرة تستحق الدراسة والوعي، لما قد تتركه من آثار عميقة على الأفراد والمؤسسات والمجتمعات. فكلما ازدادت السلطة، ازدادت الحاجة إلى التواضع، والمراجعة الذاتية، والإصغاء للآخرين. وتبقى القيادة الرشيدة قائمة على الحكمة والمسؤولية واحترام الإنسان، لا على التعالي والانفراد بالقرار.
د. تيسير الياس شواش
اختصاصي نفسي ومعالج سلوكي معرفي
مدير مركز المراد للاستشارات النفسية







