نساء أردنيات يبتكرن فرصا اقتصادية من التراث

في قلب العاصمة الأردنية عمان، تستيقظ شهناز بني طعان مبكرا لتبدأ يومها بإعداد الأطباق التراثية التي توارثتها من مسقط رأسها في بلدة بيت راس شمال الأردن.
بينما تنتشر رائحة "المكمورة" و"قراص العيد" و"تشعاشيل"، وهي أطباق تشتهر بها محافظة إربد، لا ترى السيدة المتقاعدة مشروعها مجرد وسيلة للحصول على دخل إضافي، بل تراه رسالة للحفاظ على التراث الأردني ونقل نكهات الأجداد إلى الأجيال الجديدة، وتحويل التراث الشعبي إلى مصدر رزق مستدام.
قصة شهناز هي واحدة من العديد من القصص التي تعكس توجه نساء أردنيات نحو إنشاء مشاريع منزلية صغيرة في مجالات الأغذية التراثية والحرف اليدوية. وتعتبر هذه المشاريع حلا مبتكرا لخلق فرص عمل وسط معدلات بطالة مرتفعة بين النساء وصعوبات في الحصول على وظائف تقليدية.
تظهر هذه المشاريع ملامح ما يعرف بـ"الاقتصاد الصغير"، الذي يعتمد على المبادرات الفردية والإنتاج المحلي، حيث أصبح مصدرا هاما للدخل لآلاف الأسر الأردنية.
تكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة في ظل استمرار الفجوة بين معدلات بطالة الذكور والإناث، حيث بلغ معدل البطالة بين النساء الأردنيات 32.7% خلال الربع الأول من عام 2023، وهو معدل يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بالذكور.
بعد أكثر من 22 عاما من العمل كموظفة في الجامعة الأردنية، قررت شهناز أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتها المهنية من داخل منزلها، بعد أن اختارت استثمار خبرتها وشغفها بالأكلات التراثية الشمالية.
وأوضحت شهناز أن الإقبال على منتجاتها لم يعد مقتصرا على سكان المنطقة، بل امتد إلى المغتربين الأردنيين الذين يزورون المملكة أو يطلبونها عبر أقاربهم بحثا عن نكهة ترتبط بالذاكرة والهوية.
تعتمد شهناز بشكل رئيسي على التسويق الإلكتروني عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تعرض منتجاتها وتتلقى الطلبات من مختلف المحافظات، مؤكدة أن وسائل التواصل أصبحت أداة لا غنى عنها لنجاح المشاريع المنزلية.
أما بالنسبة لها، فإن الرسالة الأهم التي تحاول إيصالها للنساء الأخريات هي أن العمل ليس مجرد وسيلة لكسب المال، بل هو مصدر للطاقة والثقة والاستقلالية، وتؤكد أن كل امرأة تمتلك مهارة يمكن أن تحولها إلى مشروع منتج مهما كانت الظروف.
تعمل المهندسة المعمارية الأردنية وسام جابر على تصميم وتنفيذ قطع فنية يدوية باستخدام فن المكرمية، الذي يعتمد على نسج الخيوط وتشكيلها عبر العقد المختلفة لإنتاج جداريات ومرايا وحوامل نباتات وأدوات زينة منزلية.
تنجز وسام أعمالها في أوقات فراغها، إذ تستغرق بعض القطع عدة ساعات من العمل مع تنفيذها بألوان وأحجام مختلفة وفق طلب الزبائن. وأشارت وسام إلى أن توجهها إلى فن المكرمية جاء كبديل مؤقت عن الرسم بسبب تأثير روائح الألوان على أطفالها.
تحولت فن المكرمية بالنسبة إليها إلى مساحة للتعبير الإبداعي ومصدر دخل إضافي، حيث تسوق منتجاتها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتطمح في المستقبل إلى دمج خبرتها في الهندسة المعمارية مع أعمال المكرمية لتطوير قطع فنية متنوعة.
في مدينة السلط، اختارت يسرى الحياري طريقا مختلفا للحفاظ على التراث وتحويله إلى مشروع اقتصادي، حيث تقدم الأكلات الشعبية الأردنية بالطريقة التقليدية باستخدام الحطب وأساليب الطهي القديمة.
تقول يسرى إن مشروعها بدأ بدافع الحفاظ على الموروث الشعبي الأردني، لكنه تحول مع الوقت إلى وجهة يقصدها زوار من داخل الأردن وخارجه، حيث تشمل أطباقها الشهيرة المنسف والمقلوبة والمجدرة.
تشير يسرى إلى أن الطلبات تتزايد من زوار قادمين من دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، مما يؤكد أن التراث المحلي يمكن أن يتحول إلى منتج اقتصادي يجذب الزبائن من مختلف الجنسيات.
تعتبر مريم محمود صايمة أيضا واحدة من النساء اللاتي حققن نجاحات في مشاريعهن، حيث تمكنت من تطوير مهاراتها في إعداد الحلويات والمخبوزات من المنزل، قبل أن تطلق مشروعا صغيرا يعتمد على التسويق الإلكتروني.
وترى مريم أن المشاريع المنزلية تمثل فرصة حقيقية للفتيات اللاتي لم يتمكن من الحصول على وظائف في سوق العمل، خاصة أن العديد من هذه المشاريع لا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة عند الانطلاق. إلا أنها تؤكد أن التسويق يمثل العقبة الأكبر التي تواجه المشاريع الصغيرة.
تشير بيانات غرفة صناعة الأردن إلى أن المرأة أصبحت عنصرا أساسيا في النشاط الاقتصادي والصناعي بالمملكة، حيث تشكل نحو 37% من إجمالي القوى العاملة الصناعية، ويعمل في القطاع الصناعي وحده أكثر من 42 ألف امرأة.
على الرغم من قصص النجاح المتزايدة، تواجه النساء صاحبات المشاريع تحديات متعددة، أبرزها محدودية التمويل وصعوبة الوصول إلى الأسواق، وارتفاع تكاليف التسويق الرقمي. ومع ذلك، تشير التجارب الميدانية إلى أن الإصرار والتكنولوجيا الحديثة ساعدا في تجاوز الكثير من هذه العقبات.







