القراءة العميقة: كيف تحارب "وهم الحقيقة" وتقلل التوتر؟

في عالم أصبحت فيه شاشات الهواتف الذكية امتداداً لأيدينا، حيث يتفقد الشخص العادي هاتفه أكثر من 140 مرة يومياً، أصبح "التمرير السريع" هو الوضع الافتراضي لاستهلاكنا للمعلومات. هذا السيل المتواصل من المحتوى لم يؤثر فقط على قدرتنا على التركيز، بل فتح الباب على مصراعيه لانتشار المعلومات المضللة ورفع مستويات التوتر والقلق.
في مواجهة هذا الواقع، يؤكد باحثون في العلوم المعرفية أن الحل قد يكون أبسط مما نتخيل: العودة إلى "القراءة العميقة".
"وهم الحقيقة".. خدعة التمرير اللانهائي
تعتمد خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي على عرض محتوى يشبه ما تفاعلت معه سابقاً، مما يخلق فقاعة تكرار. هذا التكرار المستمر يغذي ظاهرة نفسية خطيرة تُعرف بـ "وهم الحقيقة" (Illusory Truth Effect)، حيث يميل دماغنا إلى تصديق المعلومة لمجرد رؤيتها بشكل متكرر، حتى لو كانت خاطئة تماماً.
هنا يأتي دور القراءة العميقة كقوة مضادة. فعلى عكس التصفح السلبي، تتطلب القراءة المتأنية جهداً ذهنياً واعياً: التحليل، ربط الأفكار، طرح الأسئلة، وفهم وجهات نظر مختلفة. هذا النشاط الذهني لا يثري المعرفة فحسب، بل يشحذ التفكير النقدي، وهو السلاح الأهم للتمييز بين الحقيقة والتضليل.
القراءة كمهدئ للتوتر الرقمي
تشير الدراسات إلى وجود صلة مباشرة بين الاستخدام المفرط للهواتف و"التمرير القهري" وبين زيادة مشاعر الوحدة والقلق. فالدماغ يكون في حالة تأهب مستمر، متنقلاً بين معلومات سريعة ومتناقضة.
في المقابل، تعمل القراءة العميقة كجلسة تأمل للعقل. الانغماس في نص واحد لفترة طويلة يمنح الدماغ فرصة للهدوء والتركيز، مما يقلل من الضغط النفسي ويعزز الإحساس بالمعنى والإنجاز.
كيف تستعيد عادة القراءة العميقة؟
التحول لا يعني التخلي التام عن وسائل التواصل، بل إعادة التوازن عبر خطوات بسيطة:
- توقف قبل المشاركة: قبل الضغط على زر المشاركة، توقف لثوانٍ واسأل نفسك: ما هو مصدر هذا الخبر؟ وهل هو منطقي؟
- خصص وقتاً للقراءة: ابدأ بـ 15 دقيقة يومياً لقراءة نص واحد (مقالة، قصة قصيرة) دون أي مقاطعة.
- تدرج في المحتوى: انتقل تدريجياً من النصوص القصيرة إلى الكتب الأكثر طولاً.
- شارك ما تقرأه: ناقش الأفكار التي قرأتها مع صديق أو انضم إلى نادٍ للكتاب، فالحوار يرسخ الفهم ويعمقه.
في النهاية، القراءة العميقة ليست مجرد هواية ثقافية، بل هي مهارة مقاومة أساسية في العصر الرقمي. إنها تدريب للعقل على التمهل والتحليل، وفي زمن السرعة، قد يكون هذا التمهل هو التغيير الصغير القادر على إحداث فرق كبير في صحتنا العقلية وقدرتنا على فهم العالم من حولنا.







