تحديات العراق في إعادة هيكلة أولوياته بعد التفاهمات الإقليمية

فتح التفاهم الذي توصلت إليه باكستان بين الولايات المتحدة وإيران آفاق جديدة للعراق لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية. في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي ملفات معقدة تتعلق بالسلاح خارج إطار الدولة والعلاقة مع إيران وإعادة صياغة الشراكات الإقليمية والدولية.
وجاء الاتفاق في ظل تحولات تشهدها المنطقة تتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني والشبكات المسلحة المرتبطة بطهران في عدة دول بينها العراق. وأثار ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كانت التفاهمات الجديدة ستؤدي إلى تقليص نفوذ تلك الجماعات أو إعادة تنظيم أدوارها ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
وأضاف مراقبون أن خيارات المناورة أمام بغداد كانت محدودة قبل الإعلان عن التفاهم الأميركي الإيراني، بسبب تشابك التوازنات الداخلية والخارجية، حيث يرتبط ملف السلاح خارج الدولة بالمعادلة الإيرانية الأميركية.
وشدد البعض على أن الحكومة العراقية الجديدة قد تحاول استثمار أي انفراج في العلاقات بين واشنطن وطهران للمضي في ملفات طال تأجيلها، مثل حصر السلاح بيد الدولة وتوسيع الانفتاح على المحيط العربي والإقليمي.
وفي هذا السياق، لفتت الأنظار الرسالة التي وجهها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، فضلاً عن إعلانه الاستعداد لزيارة واشنطن، وهي زيارة يُنظر إليها على أنها تحمل ملفات تتعلق بالتعاون الثنائي وأخرى غير معلنة ترتبط بمستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة.
وأظهر تحليل الوضع أن قدرة بغداد على الاستفادة من هذه المتغيرات تبقى رهناً بمدى صمود التفاهم الأميركي الإيراني وإمكانية تحويله إلى تفاهمات عملية على الأرض، خصوصاً أن مواقف الأطراف المختلفة لا تزال متحركة وغير مستقرة.
ويبقى ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة أحد أكثر الملفات حساسية في العراق منذ سنوات، حيث تمتلك الجماعات المسلحة امتدادات سياسية وبرلمانية، فيما تستند بعض الفصائل إلى مبررات عقائدية وأمنية مرتبطة بمواجهة التهديدات الأمنية.
ويدعم ذلك النقاشات حول مستقبل الفصائل المسلحة ودورها بعد انتهاء الوجود العسكري للتحالف، حيث يشير متابعون إلى أن الغموض لا يزال يحيط بمستقبل هذا الملف بسبب تشابك الإرادات المحلية والإقليمية والدولية.
وأظهر التحليل أن النفوذ الإيراني في العراق شهد خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً وتحديات متزايدة، في حين عادت الولايات المتحدة إلى الساحة العراقية عبر مقاربة تركز على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني.
وأكدت واشنطن على مطلب حصر السلاح بيد الدولة ومنع مشاركة جهات تمتلك أجنحة مسلحة في صناعة القرار الحكومي، بما يتماشى مع رؤيتها لمستقبل العراق.
كما يبدو أن المقاربة الأميركية الجديدة تتعامل مع العراق وسوريا كملف مترابط من الناحية الاستراتيجية، وهو ما انعكس في تعيين توم براك ممثلاً أميركياً لكل من بغداد ودمشق، وتوجيه دعوات منفصلة للرئيس السوري ورئيس الوزراء العراقي لزيارة واشنطن.
على الصعيد الدبلوماسي، سارعت بغداد إلى الترحيب بالتفاهم الأميركي الإيراني، حيث أكد وزير الخارجية العراقي دعمه لأي خطوات من شأنها خفض التوترات الإقليمية وتعزيز الاستقرار.
وفي الوقت نفسه، أدان الهجوم الذي استهدف محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات، معلناً استعداد العراق للتعاون مع دول الخليج عبر لجان تحقيق مشتركة لتحديد المسؤولين عن تلك الهجمات.
ورأى مراقبون أن هذه الرسائل تعكس توجهاً عراقياً نحو إظهار قدر أكبر من استقلالية القرار السياسي، خصوصاً في ظل انشغال طهران بإدارة تفاهماتها مع الغرب.
وتبقى مسألة الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران حاضرة في أي تفاهم أميركي إيراني، حيث اعتبر بعض المحللين أن استمرار هذه الجماعات في الاحتفاظ بالسلاح سيكون أكثر صعوبة في ظل المقاربة الجديدة.
من جهة أخرى، يرى البعض أن الاتفاق لا يتضمن إشارات واضحة لوضع الفصائل المسلحة في العراق، ولكنه قد يساهم في تقليص هامش النفوذ الإيراني الإقليمي.
وتشير التوقعات إلى أن عملية نزع السلاح أو دمجه ضمن مؤسسات الدولة ستكون معقدة وتحتاج إلى وقت، حيث يرتبط بعض الفصائل بعلاقات وثيقة مع إيران.
ويعتقد الخبراء أن ما جرى بين واشنطن وطهران لا يزال أقرب إلى مذكرة تفاهم، مشيرين إلى أن الحكومة العراقية ستكون من بين المستفيدين من هذا المناخ لتحسين وضعها في ملفات السلاح والعلاقات الإقليمية.
في المحصلة، ينظر إلى التفاهم الأميركي الإيراني كفرصة محتملة للحكومة العراقية الجديدة لتوسيع هامش الحركة في ملفات ظلت عالقة لسنوات. لكن نجاح بغداد في استثمار هذه الفرصة يعتمد على عدة عوامل، منها مدى استدامة التفاهمات بين واشنطن وطهران وموقف الفصائل المسلحة.







