تحذيرات من صندوق النقد حول التضخم وتأثيره على السياسة النقدية في الولايات المتحدة

حث صندوق النقد الدولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على اتخاذ خطوات حذرة في إدارة السياسة النقدية، وذلك في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم بسبب صدمات أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الرسوم الجمركية. ويأتي هذا التوجيه قبل الاجتماع الأول للجنة السياسة النقدية برئاسة الرئيس الجديد كيفين وارش.
وأشارت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، خلال مؤتمر صحافي، إلى أن المؤسسة تتوقع تأجيل عودة التضخم في الولايات المتحدة إلى المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة حتى نهاية عام 2027، وهو ما يعد تأخيراً مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت تشير إلى منتصف العام نفسه.
وأضافت كوزاك، أن التوقعات تشير إلى أن المخاطر تميل حالياً نحو ارتفاع التضخم، مما يستدعي تبني سياسة نقدية حذرة ومُعايرة بدقة وفق تطورات البيانات الاقتصادية. ويأتي هذا التقييم في وقت يستعد فيه الاحتياطي الفيدرالي لعقد اجتماعه المقبل للجنة السياسة النقدية بين 16 و17 من الشهر الجاري.
وأظهر صندوق النقد أن الضغوط التضخمية لا تزال مدفوعة بعوامل خارجية، مثل تقلبات أسواق الطاقة وتداعيات السياسات التجارية وارتفاع تكاليف الاستيراد، مما يزيد من تعقيد مهمة صانعي السياسة النقدية في الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، يرى الصندوق أن أي تحرك نقدي في المرحلة المقبلة يجب أن يوازن بدقة بين مخاطر استمرار التضخم واحتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي.
في سياق متصل، أظهر مسح مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن رئيسه الجديد يتسلم قيادة اقتصاد لا يزال مدعوماً بزخم استثمارات الذكاء الاصطناعي، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً تضخمية متصاعدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالوضع في الشرق الأوسط. وهذا يضعه أمام اختبار مبكر وصعب قبل أول اجتماع له.
ووفقاً لتقرير "الكتاب البيج"، الذي يستند إلى بيانات نوعية من البنوك الإقليمية التابعة للاحتياطي الفيدرالي، شهدت معظم المناطق الأميركية ارتفاعاً في الضغوط التضخمية، حيث ارتفعت تكاليف الطاقة مما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن والتغليف والمواد الغذائية والأسمدة.
وأشار التقرير إلى مؤشرات تدعو للحذر، مثل تزايد الاعتماد على بطاقات الائتمان، وتراجع الإقبال على متاجر التجزئة، وارتفاع الطلب على السلع الأساسية، وهو ما يعكس ضغوطاً متزايدة على المستهلك الأميركي الذي يشكل إنفاقه المحرك الرئيسي للاقتصاد.
يعكس التقرير ملامح بيئة اقتصادية أقرب إلى الركود التضخمي، حيث يتزامن تباطؤ الطلب الاستهلاكي مع استمرار ارتفاع التكاليف والأسعار، وهو سيناريو يُعد من أكثر التحديات تعقيداً أمام أي رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي، خصوصاً مع توقعات سابقة بخفض أسعار الفائدة.
وفي إشارة إلى تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة على الأسر الأميركية، نقل التقرير عن أحد المشاركين في استطلاع بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، قوله إن الأسر متوسطة الدخل أصبحت تدقق في كل دولار قبل اتخاذ قرار الإنفاق. ورأت هيذر لونغ، كبيرة الاقتصاديين في اتحاد الائتمان الفيدرالي البحري، أن نتائج التقرير تمثل إشارة تحذير جديدة على تحول التضخم إلى مشكلة أكثر رسوخاً.
وتتزايد الدعوات داخل الاحتياطي الفيدرالي لتشديد السياسة النقدية، حيث أعربت لوري لوغان، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، عن قلقها من استمرار الضغوط السعرية، مشيرة إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً رغم ازدهار الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتشير العقود الآجلة لأسعار الفائدة إلى أن الأسواق تتوقع بنسبة تقارب 75 في المائة رفع سعر الفائدة الأساسي بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام، مقابل احتمال يبلغ نحو 25 في المائة للإبقاء على المعدلات الحالية دون تغيير.
في المقابل، واصل الذكاء الاصطناعي لعب دور الداعم الرئيس للنشاط الاقتصادي الأميركي، حيث أشار تسعة من أصل اثني عشر بنكاً إقليمياً إلى أن التوسع في بناء مراكز البيانات يدعم الاستثمارات والتوظيف، ويسهم في الحفاظ على وتيرة نمو اقتصادي وُصفت بأنها معتدلة.
إلا أن التقرير سلط الضوء أيضاً على آثار سلبية متزايدة في قطاعات أخرى، حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى تحول المستهلكين نحو السيارات الهجينة وتقليص مشتريات السيارات الجديدة، كما ارتفعت تكاليف الأسمدة، مما دفع بعض المزارعين إلى توقع تراجع الإنتاج الزراعي خلال الموسم المقبل.
وأفادت شركات تصنيع في مناطق عدة بتراجع الطلب نتيجة حذر المستهلكين. بينما أرجأت بعض الشركات خطط الإنفاق الرأسمالي بسبب المخاوف المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة وإمدادات النفط.
وفي سوق العمل، أشار التقرير إلى أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر على فرص التوظيف للمبتدئين والموظفين في المراحل المهنية الأولى، مما قد يمثل تحولاً هيكلياً طويل الأمد لا يمكن معالجته عبر خفض أسعار الفائدة فقط.
في المقابل، استفادت قطاعات الدفاع ومراكز البيانات من زيادة الطلب، مما ساهم في دعم التوظيف الصناعي. ومع ذلك، ظلت بيئة العمل بشكل عام تتسم بضعف التوظيف وانخفاض معدلات التنقل الوظيفي، بينما استمر نمو الأجور عند مستويات وُصفت بأنها متواضعة إلى معتدلة.
كما حذر التقرير من ضغوط تضخمية إضافية محتملة، مع لجوء عدد متزايد من الشركات إلى تعديل الأجور ورفع بدلات غلاء المعيشة بوتيرة أكثر تكراراً لمواكبة ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة الأخرى. يأتي ذلك في وقت ارتفع فيه معدل التضخم، وفق المؤشر المفضل للاحتياطي الفيدرالي، إلى 3.8 في المائة في أبريل مقارنة مع 3.5 في المائة في مارس، بينما تشير التوقعات إلى استقرار معدل البطالة عند 4.3 في المائة في بيانات الوظائف المرتقبة لشهر مايو.







