أزمة الصواريخ الكوبية: كيف نجا العالم من حرب نووية؟

في خريف عام 1962، وجد العالم نفسه على بعد خطوات من حرب نووية شاملة خلال أزمة الصواريخ الكوبية، التي استمرت لثلاثة عشر يوماً حبست فيها البشرية أنفاسها. لم تكن الأزمة مجرد خلاف سياسي، بل مواجهة مباشرة بين إرادتين عظميين في ذروة الحرب الباردة.
شرارة الأزمة
بدأت فصول الأزمة عندما كشفت طائرات استطلاع أمريكية عن وجود منصات صواريخ نووية سوفيتية قيد الإنشاء في كوبا. بالنسبة لإدارة الرئيس جون إف كينيدي، كان هذا تهديداً وجودياً غير مسبوق، فالصواريخ أصبحت على مرمى دقائق من الأراضي الأمريكية، مما وضع واشنطن أمام قرار مصيري: كيفية الرد دون إشعال حرب عالمية ثالثة.
من وجهة نظر الاتحاد السوفيتي، لم تكن الخطوة عدوانية، بل رد فعل استراتيجي على نشر صواريخ "جوبيتر" الأمريكية في تركيا على حدوده، ومحاولات واشنطن المستمرة لإسقاط النظام الكوبي الحليف لموسكو. اعتبر الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف أن وجود الصواريخ في كوبا هو خط دفاع متقدم ضروري لتحقيق توازن الرعب.
على حافة الهاوية
بلغ التصعيد ذروته عندما فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على كوبا لمنع وصول أي شحنات عسكرية جديدة. وبينما كانت السفن السوفيتية تتقدم نحو خط الحصار، ارتفعت حالة التأهب النووي إلى أعلى مستوياتها. زاد إسقاط طائرة تجسس أمريكية فوق كوبا من خطورة الموقف، وبدت الحرب وشيكة.
الدبلوماسية تنقذ العالم
خلف الكواليس، كانت القنوات الدبلوماسية السرية تعمل على مدار الساعة لإيجاد مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين. انتهت الأزمة بتسوية تاريخية، وافق بموجبها الاتحاد السوفيتي على سحب صواريخه علناً من كوبا، مقابل تعهد أمريكي سري بعدم غزو الجزيرة، وسحب الصواريخ الأمريكية من تركيا لاحقاً وبعيداً عن الأضواء.
لم تغير أزمة الصواريخ الكوبية مسار الحرب الباردة فحسب، بل أرست قواعد جديدة في إدارة الصراعات الدولية، حيث أدركت القوتان العظميان أن الاقتراب من حافة الهاوية النووية قد يكون أسهل بكثير من العودة منها. وبعد أكثر من ستة عقود، لا تزال الأزمة تُستحضر كدرس تاريخي حول خطورة القوة النووية وأهمية الحوار في عالم تحكمه توازنات دقيقة.







