الدكتور شواش يكتب: هل يمكن للطبيعة أن تصبح شريكًا في العلاج النفسي؟
الطبيعة ليست مجرد متنزّه… إنها غرفة علاج نفسي جماعية مذهلة
في السنوات الأخيرة ازداد اهتمام المختصين في الصحة النفسية بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة، خاصة مع ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والضغوط النفسية المرتبطة بإيقاع الحياة الحديثة والعزلة الرقمية. ومن هنا برز مفهوم العلاج بالطبيعة (Eco Therapy)، الذي طوّره عدد من المعالجين والباحثين، من أبرزهم هارد كلاينبيل (2011)، وقبله كارل يونغ. ويُعد هذا العلاج أحد الأساليب العلاجية التكاملية التي تقوم على فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:
أن التواصل الواعي مع الطبيعة يمكن أن يساهم في استعادة التوازن النفسي والانفعالي.
وقد ازداد اهتمامي بهذا المجال ليس فقط من الناحية العلمية، بل أيضًا من خلال تجربة مهنية عملية عشتها على مدى سنوات خلال عملي مديرًا للتأهيل النفسي في مستشفى الرشيد للطب النفسي والإدمان. فقد كنت ألاحظ التغيرات النفسية الإيجابية الواضحة لدى بعض المرضى أثناء اصطحابهم إلى المزرعة، أو للسير في الأحراش المجاورة، أو إلى البحر الميت؛ حيث كان كثير منهم يُظهرون هدوءًا نفسيًا وتحسنًا في المزاج وتراجعًا في التوتر، بل إن بعضهم كان يطلب تكرار هذه الأنشطة والبقاء لفترات أطول في الطبيعة.
وفي المقابل، كان بعض الأخصائيين النفسيين ينظرون إلى هذه الأنشطة على أنها مضيعة للوقت، دون إدراك أنها قد تمثل جزءًا مهمًا من التدخل العلاجي الداعم إلى جانب العلاج النفسي والدوائي.
مبادئ العلاج بالطبيعة
أولًا: الاتصال الواعي بالطبيعة (Mindful Connection)
ويشمل تطبيق تمارين التأمل والعيش في اللحظة الحالية من خلال:
• الانتباه للحواس المختلفة؛ كالأصوات والروائح وملمس النباتات.
• البساطة وعدم التكلّف.
• عدم الحاجة إلى أدوات معقدة أو بيئة مثالية، مع أهمية الإعداد المسبق واختيار الأنشطة المناسبة للمرضى.
• ظهور الفوائد بشكل أوضح مع التكرار المنتظم (مثل مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا).
ثانيًا: تنشيط السلوك (Behavioral Activation)
يساعد الخروج إلى الطبيعة على كسر العزلة والخمول المرتبطين بالاكتئاب من خلال:
• اختيار نشاط طبيعي بسيط مثل المشي في الطبيعة، أو الجلوس تحت أشعة الشمس، أو العناية بالنباتات.
• المساهمة في تشتيت الأفكار السلبية وتحسين الحالة المزاجية.
ويُقدَّم العلاج بالطبيعة من خلال جلسات فردية أو جماعية، ولا يُعد بديلًا عن العلاج النفسي التقليدي، بل يُستخدم غالبًا كنهج مساعد ضمن أساليب علاجية حديثة مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، والعلاج بالقبول والالتزام (ACT)، والعلاج السلوكي الجدلي (DBT).
ويشمل هذا النوع من العلاج أنشطة بسيطة لكنها ذات أثر نفسي عميق، مثل:
• المشي في الأماكن الطبيعية.
• الجلوس قرب الماء أو الأشجار.
• التأمل في الطبيعة.
• العناية بالنباتات والزراعة المنزلية.
• ممارسة تمارين اليقظة الذهنية في البيئات الطبيعية.
كيف تساعد الطبيعة مرضى القلق والاكتئاب والإدمان؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن التفاعل المنتظم مع الطبيعة يساعد مرضى القلق والاكتئاب، وكذلك مرضى الإدمان. وتُظهر الأبحاث الطبية والنفسية أن قضاء الوقت في الطبيعة يغيّر فعليًا من كيمياء الدماغ وطريقة استجابته للضغوط.
بالنسبة لمرضى القلق (Anxiety)
• تهدئة الجهاز العصبي؛ فالتواجد بين الأشجار والمساحات المفتوحة يقلل بشكل ملحوظ من إفراز هرمون التوتر (الكورتيزول).
• تحفيز الجهاز العصبي الباراسمبثاوي المسؤول عن الراحة والاسترخاء، مما يخفّض معدل ضربات القلب وضغط الدم المرتفعين بسبب القلق.
• تشتيت الأفكار المقلقة؛ إذ توفر الطبيعة ما يُعرف بـ"الانتباه غير المجهد" (Soft Fascination)، حيث تنجذب الحواس إلى أصوات العصافير أو حركة أوراق الشجر، مما يمنح العقل استراحة من التفكير المفرط والاجترار الفكري (Rumination).
بالنسبة لمرضى الاكتئاب (Depression)
• تحفيز هرمونات السعادة من خلال زيادة إفراز السيروتونين والدوبامين؛ إذ إن التعرض المعتدل لأشعة الشمس والحركة في الهواء الطلق يعززان النواقل العصبية المسؤولة عن تحسين المزاج والدافعية.
• كسر العزلة والجمود؛ فالاكتئاب غالبًا ما يدفع صاحبه إلى الانغلاق على نفسه، بينما توفر البيئة الخضراء دافعًا طبيعيًا للحركة والتفاعل.
• تعزيز الإحساس بالمعنى والانتماء للحياة.
بالنسبة لمرضى الإدمان
• توفر الطبيعة بيئة تساعد على الانضباط من خلال الروتين المنتظم، وتمنح مكافآت حسية طبيعية بديلة عن المواد المخدرة، كما تساعد على تنمية القدرة على تحمل الضغوط والانفعالات السلبية.
• تشير بعض الدراسات إلى أن مستويات التوتر والقلق قد تنخفض بصورة ملحوظة بعد قضاء وقت قصير في الطبيعة.
• كما تشير نتائج بعض البرامج العلاجية إلى أن ممارسة الأنشطة الطبيعية المنتظمة قد تساهم في خفض احتمالية الانتكاس وتحسين فرص التعافي على المدى البعيد.
وقد أظهرت بعض الأبحاث كذلك أن ممارسة النشاط البدني في المساحات الخضراء تمنح فوائد نفسية أكبر مقارنة بممارسة النشاط نفسه في الأماكن المغلقة.
الأساس العلمي للعلاج بالطبيعة
يستند العلاج بالطبيعة إلى مفاهيم علمية مهمة، من أبرزها فرضية البيوفيليا (Biophilia) أو “حب الطبيعة”، التي طرحها إدوارد ويلسون، والتي تفترض أن لدى الإنسان ميلًا فطريًا للارتباط بالطبيعة.
كما يستند إلى نظرية استعادة الانتباه (Attention Restoration Theory) التي تفترض أن البيئات الطبيعية تساعد الدماغ على استعادة قدراته على التركيز والهدوء والتعافي من الإرهاق الناتج عن متطلبات الحياة اليومية.
وقد أسهم عدد من الباحثين في تطوير هذا المجال، من بينهم:
• Edward O. Wilson
• Theodore Roszak
• Roger Ulrich
حيث أكدوا أهمية العلاقة بين البيئة الطبيعية والصحة النفسية.
حدود العلاج بالطبيعة
ورغم النتائج الإيجابية، يؤكد المختصون أن العلاج بالطبيعة لا يناسب وحده الحالات النفسية الشديدة، مثل الذهان الحاد أو الاكتئاب المصحوب بخطر انتحاري مرتفع، بل ينبغي أن يكون جزءًا من خطة علاجية متكاملة يشرف عليها مختصون.
كلمة أخيرة
إن أهمية العلاج بالطبيعة لا تكمن فقط في كونه وسيلة لتخفيف الأعراض النفسية، بل في قدرته على إعادة ربط الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. ففي زمن تزداد فيه العزلة والانشغال الرقمي، قد تصبح العودة الواعية إلى الطبيعة إحدى الوسائل البسيطة والعميقة لاستعادة الهدوء الداخلي والشعور بالحياة.
ففي كثير من الأحيان، لا يحتاج الإنسان فقط إلى تفسير ألمه النفسي، بل يحتاج أيضًا إلى مكان يشعر فيه بالأمان… وبأنه ما زال متصلًا بالحياة.
ما رأيك؟ هل جربت يومًا جلسة نفسية تأملية في الهواء الطلق؟
الدكتور تيسير شواش
اختصاصي نفسي – معالج سلوكي معرفي
مدير مركز المراد للاستشارات النفسية
مرخص من وزارة الصحة الأردنية
1-6-2026







