تحركات مكثفة: واشنطن تسعى لتوحيد المؤسسات الليبية عبر اتصالات رفيعة

كثفت الولايات المتحدة الامريكية اتصالاتها مع شخصيات بارزة في شرق ليبيا وغربها، وذلك في تحرك يهدف الى احياء جهود توحيد المؤسسات المنقسمة في البلاد التي تعاني من ازمة سياسية مستمرة منذ اكثر من عقد.
وبدا ان دبلوماسية الهاتف التي يقودها مستشار الرئيس الامريكي للشؤون العربية والافريقية، مسعد بولس، قد دخلت مرحلة اكثر زخما، بعدما اجرى سلسلة اتصالات متزامنة مع شخصيات تمثل مراكز ثقل رئيسية في معادلة السلطة بشرق ليبيا وغربها، مستفيدا من اجواء عيد الاضحى لتجديد الدفع نحو مسار المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.
وشملت الاتصالات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ونائب وزير الدفاع عبد السلام الزوبي في غرب البلاد، وكذلك نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق صدام حفتر، ومدير عام صندوق التنمية واعادة اعمار ليبيا بلقاسم حفتر.
ورأى مراقبون ان هذه الخطوة تعد مؤشرا على سعي واشنطن لاستطلاع مواقف الاطراف المؤثرة، ودفعها نحو تفاهمات اسرع واوسع تتعلق بتوحيد المؤسسات، وانهاء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد.
ورغم الطابع البروتوكولي للمكالمات التي جرى فيها تبادل التهاني بالعيد، فان تغريدة بولس عبر منصة اكس في وقت مبكر، اظهرت تركيزا واضحا على ملفات المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات الليبية وتعزيز السلام والديمقراطية والاستقرار في جميع انحاء ليبيا.
وتنسجم هذه المشاورات الهاتفية مع حديث يتزايد داخل الاوساط السياسية الليبية عن تحرك امريكي يهدف الى دفع الاطراف المتنافسة نحو صيغة جديدة لتوحيد السلطة التنفيذية، بعد تعثر المسارات السياسية التي تقودها الامم المتحدة خلال السنوات الاخيرة.
ويرى استاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، ان تكثيف بولس اتصالاته مع شخصيات مؤثرة في المشهد الليبي يعكس رغبة امريكية في تسريع جهود التوصل الى صيغة سياسية جديدة تنهي حالة الانقسام المؤسسي.
ويتوقع مخلوف ان التحركات الحالية قد تفضي الى احد خيارين؛ اما دمج الحكومتين القائمتين في شرق البلاد وغربها ضمن اطار تنفيذي موحد، او التوافق على تشكيل سلطة انتقالية جديدة تتولى ادارة المرحلة المقبلة.
ومن منظور الاكاديمي الليبي مخلوف، فان الولايات المتحدة لا تزال تمسك بخيوط رئيسية في ملف التسوية الليبية، مستندة الى ما تعده نجاحات سابقة، من بينها رعاية اتفاق الميزانية الموحدة، فضلا عن دعم ترتيبات عسكرية مشتركة جمعت قوات من شرق البلاد وغربها خلال الاشهر الماضية.
ومنذ ابريل الماضي، تتداول اوساط سياسية واعلامية ليبية معلومات بشان مبادرة غير معلنة تنسب الى بولس، تقوم على اعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تولي صدام رئاسة مجلس رئاسي جديد، بدلا من محمد المنفي، مع الابقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيسا للحكومة الموحدة المرتقبة.
وجاءت هذه التسريبات التي لم ينفها الطرفان الليبي والامريكي، تزامنا مع رعاية وزارة الخزانة الامريكية اتفاقية لتوحيد الميزانية في ليبيا بعد 13 عاما من الانقسام المالي في ابريل الماضي، الى جانب رعاية القيادة العسكرية الامريكية في افريقيا تمارين فلينتلوك بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها.
لكن هذه الطروح تواجه تشكيكا من جانب بعض القوى السياسية الليبية، ويرى عبد الله الرفادي، رئيس حزب الجبهة الوطنية الليبي، ان ما يطرح بشان وجود خطة امريكية لتوحيد المؤسسات او تسوية الاشكاليات السياسية والامنية في ليبيا لا يستند الى رؤية واضحة او مشروع متكامل، عادا ان هذه الطروح اقرب الى الطموحات غير الواقعية لدى بعض الاطراف.
واضاف الرفادي ان ما يجري، في تقديره، هو تداخل بين مصالح شخصية لبعض المقربين من دوائر القرار في الولايات المتحدة في ادارة الرئيس الامريكي السابق دونالد ترمب، وبين طموحات مماثلة لدى شخصيات سياسية واطراف في شرق ليبيا وغربها تسعى لتعزيز نفوذها والسيطرة على موارد البلاد خلال العقود المقبلة.
واشار الى ان ما يطرح من مبادرات، ومنها ما يرتبط باسم مسعد او غيره من الفاعلين، يمثل – حسب وصفه – محاولة لاعادة تدوير منظومة الاستيلاء على السلطة والمال والنفوذ، في ظل واقع امني معقد يتسم بتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة وتداخلها مع مصالح بعض الاطراف المدنية.
ويعتقد رئيس حزب الجبهة الوطنية الليبي ان هذه الطروح لا تحظى، في تقديره، باي تا ييد شعبي واسع في مختلف مناطق البلاد، بل تعكس استمرار ما وصفه بسياسات فرض الامر الواقع التي اثقلت كاهل الليبيين خلال السنوات ال15 الماضية دون ان تفضي الى حلول دائمة.
وذهب الرفادي الى عد ان اي حلول ترقيعية لا تستند الى اساس دستوري واضح لن تحقق الاستقرار، محذرا من ان اي مسار بديل عن اجراء انتخابات تشريعية وتشكيل مجلس تاسيسي منتخب لن يلقى قبولا شعبيا او سياسيا، ولن يقود الى تسوية نهائية للازمة الليبية.
وفي موازاة الحراك الامريكي، تستمر الجهود السياسية المحلية لاحياء المسار الانتخابي، حيث اعلن ممثل حكومة الوحدة الوطنية في لجنة 4+4، عبد الجليل الشاوش، ان اعضاء اللجنة سيعقدون اجتماعا في تونس الخميس المقبل لاستكمال النقاشات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة يعول مراقبون على ان تسهم في كسر الجمود السياسي الذي تكرس في المشهد الليبي منذ سنوات.
يشار الى ان لجنة 4+4 تشمل ممثلين من طرفي الانقسام الليبي، وهما الجيش الوطني في شرق ليبيا وحكومة الوحدة في غربها، وقد عقدت اجتماعين سابقين في تونس وروما، برعاية الامم المتحدة، بعد اخفاق مجلسي النواب والاعلى للدولة في الوفاء باستحقاقات رئيسية في خريطة طريق طرحتها الامم المتحدة في اغسطس الماضي.
وإلى حين كسر هذا الجمود يبقى الانقسام السياسي في البلاد بين حكومتين متنافستين؛ الاولى في غرب البلاد برئاسة الدبيبة وتتخذ من طرابلس مقرا لها، والاخرى حكومة مكلفة من البرلمان في بنغازي برئاسة اسامة حماد، وتحظى بدعم القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، وتدير المنطقة الشرقية واجزاء من الجنوب.







