رشوة ب200 مليون دولار تهز الاوساط العراقية وتشكيك في جدوى لجان مكافحة الفساد

في تطور لافت بتاريخ الحكومات العراقية، كشف رئيس الوزراء علي الزيدي عن تلقيه عرض رشوة مغر للتستر على قضايا فساد متورطة بها وزارة النفط.
ونقل عدد من الصحافيين والإعلاميين عن الزيدي خلال لقاء جمعه بهم يوم السبت، أن مسؤولا رفيع المستوى في وزارة النفط عرض عليه، من خلال وسيط، مبلغا ماليا ضخما يقدر ب 200 مليون دولار مقابل إغلاق ملف فساد كبير داخل الوزارة.
ويتداول العديد من الصحافيين الذين حضروا هذا اللقاء، أن الزيدي كان يشير بتصريحاته هذه إلى المدير العام السابق لشركة مصافي الشمال، وايضا وكيل وزارة النفط عدنان حمد حمود، والذي ألقي القبض عليه مساء الجمعة الماضية، ووفقا لكتاب رسمي متداول صادر عن رئاسة الوزراء، فإن حمود كان قد أعفي من منصبه في بداية شهر مايو الماضي، وتحدثت مصادر صحافية، الأحد، عن قيام قوة تابعة لجهاز الاستخبارات بإلقاء القبض على المدير المالي لمصافي الشمال، وذكرت مصادر أخرى أيضا عن عملية إلقاء قبض طالت موظفا يعمل في سكرتارية رئيس الوزراء السابق محمد السوداني.
وأثارت تصريحات رئيس الوزراء جدلا واسعا في الأوساط العراقية، وذلك بالنظر إلى حجم الفساد المستشري في البلاد منذ عقود طويلة، لدرجة وصلت إلى إمكانية تقديم رشاوى لأعلى سلطة تنفيذية في الدولة.
وعلق الناشط السياسي حامد السيد على هذه الواقعة قائلا إن «الوكيل الفاسد عندما عرض الرشوة على رئيس الوزراء لم يكن يتصرف كشخص يرتكب مجازفة كبيرة، بل كان يتصرف كشخص يمارس سلوكا اعتاد على النجاح فيه، وهنا تكمن المصيبة الكبرى».
واضاف في تدوينة له على منصة «اكس»: «لا يجب أن نسأل: كيف تجرأ على فعل ذلك؟ بل يجب أن نسأل: كم مرة حدث هذا الأمر من قبل؟ وكم عدد رؤساء الوزراء الذين عرضت عليهم الرشوة؟ وكم عدد رؤساء الوزراء الذين قبلوها؟».
ورأى الكاتب والصحافي فلاح المشعل في تدوينة مماثلة، أنه «كان يجب اعتقال الوسيط أيضا يا دولة رئيس الوزراء، مهما كانت صفته أو اسمه، فالوسيط في صفقة فساد يعتبر شريكا فيها ومستفيدا منها بشكل مباشر، ولا يجوز استثناؤه من المساءلة القانونية على الإطلاق».
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي المختلفة موجة كبيرة من التعليقات حول خبر اعتقال وكيل وزارة النفط، وكان معظم هذه التعليقات يشير إلى أنه كان يعمل تحت حماية أحزاب وشخصيات نافذة تقوم بالتغطية على أعماله المشبوهة من وراء الستار، مقابل حصولها على جزء كبير من الأموال المتأتية عن صفقات وعقود الفساد.
وفي سياق متصل بتعهداته بمحاربة الفساد، وجه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي بتشكيل ما يسمى «المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام».
وقال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء إن الزيدي ترأس مساء السبت اجتماعا خاصا لمناقشة إجراءات تدقيق العقود الحكومية، وذلك بحضور رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي، ورئيس هيئة النزاهة الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، وقاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة.
واضاف المكتب أن الزيدي «وجه بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام برئاسته وعضوية كل من رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة، وذلك للقيام بالمتابعة الرقابية للوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بشأن المواضيع الجوهرية وذات الأثر المهم، بهدف إيقاف هدر المال العام واسترداد أموال الدولة، على أن يتم إرسال نتاج عمل المجلس إلى القضاء المختص».
وشدد الزيدي على «ضرورة التحقق من الجدوى الاقتصادية لجميع المشاريع، وأن تكون هناك لجان فرعية متخصصة لتدقيق التعاقدات الحكومية لضمان مطابقتها للقوانين والتعليمات النافذة».
وشهد الاجتماع أيضا «مناقشة تشكيل لجنة مركزية مشتركة بين ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة ووزارة المالية، لتتولى مهمة وضع آلية محكمة للتدقيق والتحقيق في العقود الحكومية قبل إبرامها، وذلك للتأكد من مطابقتها للتخصيصات المعتمدة في الميزانية».
وترتفع في هذه الأيام أصوات العديد من المطالبين بضرورة المباشرة في إجراءات تحقيق موسعة بشأن عدد كبير من العقود المهمة التي أبرمتها الوزارات والمؤسسات الحكومية في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق محمد السوداني، وذلك لـ«التأكد من مدى مطابقتها للقوانين والتعليمات المعمول بها وحماية المال العام من الهدر والضياع».
وتشير توجيهات حكومية بهذا الصدد إلى أن الإجراءات «تشمل التدقيق بشكل كامل في تلك العقود وبيان أوجه القصور والإهمال فيها، وتشخيص المقصرين المتسببين في الإجحاف والإساءة للمال العام، وتحديد الجهات المستفيدة منها على حساب المصلحة العامة».
يواجه المجلس السيادي الأعلى للنزاهة «الجديد الذي قام بتشكيله رئيس الوزراء الزيدي، الكثير من الانتقادات والتشكيك في جدواه، وذلك لجهة افتقاره إلى الصفة الدستورية والقانونية، أو لجهة الإخفاق الكبير الذي منيت به جميع المجالس المماثلة التي شكلها رؤساء الوزراء السابقون في ما يتعلق بعمليات مجابهة الفساد المستشري».
وقال النائب في البرلمان محمد جاسم الخفاجي، الأحد، في تصريحات صحافية له، إن «المجلس الجديد لا سند قانوني له على الإطلاق».
واضاف أن «هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية هما هيئتان تخضعان وترتبطان بموجب المادتين (102) و(103) من الدستور بمجلس النواب العراقي، وأن هاتين الهيئتين المستقلتين تستهدفان في عملهما الرقابة على عمل السلطة التنفيذية، والتحقيق في قضايا الفساد وهدر المال العام، وبالتالي فهما تستهدفان الوزارات والوزراء ورئيس مجلس الوزراء إضافة إلى وظيفته، فكيف يكون هو رئيسا لمجلسهما؟».
وبالنظر إلى العدد الكبير من المجالس واللجان التي تم تشكيلها خلال السنوات الأخيرة الماضية، فإنها لم تترك أي أثر واضح وملموس في مجال مكافحة الفساد.
والجدير بالذكر أن حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي قامت بتشكيل «المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد» في عام 2007، ثم تلتها حكومة حيدر العبادي بتأسيس «المجلس الأعلى للفساد» في عام 2016، وفي عام 2018، قامت حكومة عادل عبد المهدي بتشكيل «المجلس الأعلى لمكافحة الفساد»، ثم تلتها حكومة مصطفى الكاظمي في عام 2020، وقامت بتأسيس «اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الجنائية»، وفي عام 2022، أسس محمد السوداني «الهيئة العليا لمكافحة الفساد»، ومع ذلك، ظل العراق يحتل مراكز متقدمة في ترتيب الدول الأكثر فسادا في اللوائح الدولية.
ويرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أنه «يجب علينا أن نتحلى بالواقعية وألا نندفع كثيرا في التفاؤل بأن بداية النهاية لعهد الفساد في العراق قد انطلقت فعلا مع هذه الحكومة، ما دامت قد جاءت من رحم المنظومة نفسها التي تسببت في جميع الكوارث الاقتصادية التي عانى منها العراق طوال السنوات الماضية».
وذكر الهاشمي في تدوينة له عبر منصة «اكس»، أن «الفساد في العراق فساد مؤسس بقوة ومحمي ومدعوم وله رعاة يتربعون على رأس صناعة القرار في العراق، سواء عبر المواقع الرسمية أو عبر سلطة الأحزاب أو عبر تسلط السلاح».







