تحديات اقتصادية تدفع أوروبا نحو إعادة النظر في الديون المشتركة

في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي، تتجدد الدعوات إلى توسيع الاعتماد على الديون المشتركة، حيث يرى مراقبون أن تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الدفاع والطاقة، إضافة إلى المنافسة المتصاعدة مع الولايات المتحدة والصين، تدفع نحو البحث عن حلول تمويلية مبتكرة.
ويقصد بالديون المشتركة أن يقوم الاتحاد الأوروبي أو مؤسساته بالاقتراض الجماعي من الأسواق المالية نيابة عن الدول الأعضاء، بدلا من اعتماد كل دولة على الاقتراض بشكل منفرد، بما يتيح تمويلا بتكاليف أقل وتقاسم أعباء الأزمات.
ويأتي إحياء هذا النقاش في وقت تستعد فيه دول الاتحاد لمناقشة أولويات ميزانية الاتحاد للفترة بين 2028 و2034، حيث تظهر انقسامات تقليدية بين فرنسا، الداعمة لتوسيع الاقتراض المشترك، وألمانيا، التي تبدي تحفظا على تحمل مخاطر ديون دول تعتبرها أقل انضباطا ماليا.
وتواجه الحكومات الأوروبية ضغوطا مالية متزايدة بسبب شيخوخة السكان وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات وضعف النمو الاقتصادي، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض بعد موجات التضخم الأخيرة.
كما أن جائحة كورونا وأزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية استنزفتا جزءا كبيرا من الموارد المالية التي كانت مخصصة لتطوير البنية التحتية وتعزيز القدرة التنافسية أمام الولايات المتحدة والصين.
ويرى مؤيدو الاقتراض المشترك أن هذه الآلية قد تساعد أوروبا على تمويل مشاريع الدفاع والطاقة والبنية التحتية، مع تخفيف الضغوط على الموازنات الوطنية والحفاظ على مستويات الدين ضمن حدود قابلة للإدارة.
وتشير بيانات صادرة عن "يوروستات" إلى أن فرنسا سجلت أكبر عجز في الموازنة بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى خلال 2025، ما يعزز الضغوط على باريس للدفع نحو حلول تمويل أوروبية مشتركة.
ويقول مؤيدو الفكرة إن السندات الأوروبية المشتركة قد تتمتع بتكاليف اقتراض أقل مقارنة بالسندات الوطنية، بفضل التصنيف الائتماني القوي للاتحاد الأوروبي وتقاسم مخاطر التعثر بين الدول الأعضاء.
كما قد يسهم توسيع إصدار الديون المشتركة في إنشاء أصول مالية أوروبية موحدة وعميقة السيولة، ما يعزز مكانة اليورو عالميا ويزيد الطلب عليه كبديل جزئي للدولار وسندات الخزانة الأمريكية.
ويعتقد بعض المسؤولين الأوروبيين أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك الحرب مع إيران، دفعت مستثمرين إلى البحث عن بدائل أقل تقلبا من الأصول الأمريكية.
ورغم توسع التأييد للفكرة داخل بعض العواصم الأوروبية، لا تزال ألمانيا وهولندا من أبرز المعارضين لتحويل الاقتراض المشترك إلى أداة دائمة.
وتخشى برلين من أن يؤدي ضمان ديون الدول الأخرى إلى تحميل دافعي الضرائب الألمان أعباء إضافية، خاصة مع تصاعد شعبية حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المعارض للتوسع المالي الأوروبي.
لكن بعض صناع القرار الاقتصادي في ألمانيا بدأوا يبدون انفتاحا حذرا على الفكرة، إذ قال رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل إن جزءا من القدرة الوطنية على الاقتراض قد ينقل مستقبلا إلى المستوى الأوروبي.
في المقابل، تدعم فرنسا وإسبانيا واليونان توسيع الاقتراض المشترك، بينما أيدت بولندا مؤخرا استخدامه لتمويل الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
ويستخدم الاتحاد الأوروبي بالفعل شكلا محدودا من الديون المشتركة منذ جائحة كورونا، عندما اقترض أكثر من 800 مليار يورو (نحو 929 مليار دولار) لتمويل صندوق التعافي الأوروبي ومساعدة الدول الأعضاء على مواجهة تداعيات الأزمة.
كما أطلق الاتحاد خلال 2025 برنامجا لتمويل مشاريع دفاعية عبر قروض مشتركة تستخدم لتمويل الطائرات المسيرة والصواريخ وحماية البنية التحتية الحيوية.
وتناقش المفوضية الأوروبية حاليا أدوات جديدة قد تشمل إنشاء صندوق أزمات بقيمة تصل إلى 400 مليار يورو (نحو 465 مليار دولار)، إضافة إلى مقترحات لتأجيل سداد ديون مرحلة الجائحة بهدف توفير مساحة مالية للاستثمار في الأولويات المشتركة.
ويرى محللون أن الأشهر المقبلة قد تشهد مواجهة سياسية ومالية حاسمة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل الديون المشتركة، مع تزايد الحاجة إلى تمويل مشاريع الدفاع والطاقة والتحول الصناعي.







