تحديات التضخم تهز أسواق السندات وتغير استراتيجيات الاستثمار

تواجه أسواق السندات الحكومية تحولات كبيرة، حيث تشهد موجة بيع مكثفة تختبر الفرضيات الأساسية في الأسواق المالية، وتتمثل هذه الفرضية في اعتبار سندات الخزانة الأميركية ملاذا آمنا يحمي المحافظ الاستثمارية ويقلل الخسائر عند تراجع أسهم الشركات، وتتعرض السندات طويلة الأجل لضغوط متزايدة نتيجة لعدة عوامل منها التضخم المتصاعد، وقوة الاقتصاد الأميركي، والزيادات المتوقعة في معروض السندات بسبب الإنفاق الحكومي.
وقفز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاما ليتجاوز مستوى 5 في المائة، متخطيا توقعات المحللين قبل أن يعود ويجتذب بعض المشترين مجددا، وأظهرت البيانات أن الارتباط بين مؤشر إس آند بي 500 وعوائد سندات الخزانة قد وصل إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عقدين، مما يشير إلى أن السندات تزيد من تقلبات السوق بدلا من أن تكون أداة للتحوط.
ويقوض هذا التحول الجذري النموذج التقليدي لتوزيع الاستثمارات بنسبة 60 في المائة للأسهم و40 في المائة للسندات، ويعتمد هذا النموذج على أدوات الدخل الثابت لتحقيق العائد والتنويع، ففي المعتاد، يتوقع المستثمرون ارتفاع أسعار السندات عندما تنخفض الأسهم، وهو ما يعرف بـ الارتباط العكسي، إلا أن هذا الارتباط أصبح منعدما في البيئة الحالية.
ويرى جوناثان كون، رئيس استراتيجية مكتب أسعار الفائدة الأميركية في نومورا، أن القيمة الجوهرية للسندات في المحافظ الاستثمارية تواجه تحديا حقيقيا مع غياب الارتباط العكسي التقليدي.
وبدأت هذه المعضلة تتضح منذ عام 2021 عندما ارتفع التضخم في أعقاب اضطرابات الأعمال المرتبطة بجائحة كورونا، واكتسبت زخما متجددا مع ارتفاع أسعار النفط، وتدفع هذه العوامل المستثمرين للتركيز على احتمالية بقاء التضخم فوق مستهدفات البنوك المركزية، مما يحد من قدرة صناع السياسة النقدية على خفض أسعار الفائدة حتى وإن تباطأ النمو الاقتصادي.
ولا تقتصر مخاوف مديري المحافظ على مستويات العوائد الفردية، بل تمتد لما يكشف عنه هذا التحرك بشأن تراجع دور السندات كمثبت للمحافظ، ويعلق جون لوك تاينر، مدير المحافظ في Aptus Capital Advisors، قائلا السندات لن تحمي محفظتك بالضرورة عندما يكون التضخم مرتفعا ومتقلبا.
وعلاوة على ذلك، تضغط الهواجس المالية على الآجال الطويلة لمنحنى العائد، حيث أصبح المستثمرون أكثر حساسية لتكلفة خدمة الدين الأميركي، وإصدارات الخزانة المستقبلية، ومخاطر العجز المستمر التي تتطلب علاوة لأجل الطويل أعلى، وهي التعويض الإضافي الذي يطالب به المستثمرون لشراء سندات طويلة الأجل عندما يستشعرون مخاطر أكبر، وقفزت علاوة الأجل على السندات لأجل 10 سنوات مؤخرا إلى نحو 0.86 في المائة، بعد أن كانت تحت مستوى 0.50 في المائة في فبراير الماضي.
وأشار جورج كاترمبون، رئيس قسم الدخل الثابت للأميركيين في DWS Group، إلى أن هناك بالتأكيد علامات استفهام حول سلامة الدولار وعجز الموازنة الأميركية أكثر مما كان عليه الوضع قبل خمس سنوات.
ومع ذلك، لا يبدو أن المستثمرين مستعدون لإعلان نهاية سندات الخزانة كأصل عالمي جوهري، فسوق السندات الأميركية يظل الأعمق والأكثر سيولة في العالم، وتتحول المعضلة حاليا من جدوى الملكية إلى اختيار الآجال، حيث يفضل الخبراء في الوقت الراهن الاستثمار في الآجال القصيرة التي توفر عوائد جذابة لبدء إعادة تنويع المحافظ بشكل آمن، بانتظار استقرار الرؤية للآجال الطويلة في عالم يتسم بتضخم لزج وضغوط مالية متزايدة، لا سيما مع تسعير الأسواق للنمو القوي وأرباح الشركات المدفوعة بالإنفاق القياسي على تقنيات الذكاء الاصطناعي.







