العيدية حول العالم: تقليد رمزي يتجاوز حدود المال

مع ارتفاع أصوات تكبيرات العيد وتعبق رائحة الأطعمة الشهية، تظهر العيدية كلغة عالمية تتخطى حاجز الكلمات، فتلك العملة الورقية الصغيرة تحمل تاريخا من الكرم ودلالات اجتماعية وثقافية أعمق من قيمتها المادية.
فالعيدية ليست مجرد مبلغ من المال، بل هي تعبير عن المحبة يتوارثه جيل بعد جيل، ورغم وحدة المفهوم في العالم الإسلامي، تتنوع تفاصيلها بحسب ثقافة كل شعب، مما يشكل ما يمكن تسميته بـ "قاموس العيدية".
ظهرت العيدية في مصر خلال العصر الفاطمي، وكانت تعرف بأسماء مثل "الرسوم" و"التوسعة"، حيث كان الخليفة يوزع الدراهم والدنانير الذهبية على الناس في صباح العيد.
ومع مرور الوقت، انتقلت العادة من القصور إلى عامة الناس، وتحولت من منحة رسمية إلى واجب اجتماعي وعاطفي يقدمه الكبار للصغار، واستقر شكل العيدية على توزيع النقود على أفراد العائلة، مع اختلاف المبالغ حسب الفئة العمرية.
يحكي أحمد من مصر عن ذكرياته مع العيدية قائلا: "ترتبط كلمة عيدية عندي بذكريات الطفولة، وكيف كنت أحب رائحة النقود الورقية الجديدة، حيث كان أهلي يحرصون على توفير كميات من الفئات النقدية الصغيرة والجديدة، ويمنحونها لنا كعيدية مما يولد لدينا شعورا طفوليا بالثراء".
واضاف: "وعلى الرغم من طلب ابنائي تحويل العيدية لحساباتهم البنكية، الا انني حريص على اعطائهم النقود الجديدة في كل عيد، حتى يتعودوا عليها وتظل في ذكرياتهم كما ارتبطت طفولتي بها".
في بلاد الشام، وتحديدا في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ترتبط العيدية بزيارة "بيت العيلة" الكبير بعد وجبة الفطور الصباحية، حيث يبدأ الكبار بتوزيع العيدية التي يطلق عليها قديما "الخرجية" في بعض المدن السورية.
تقول إسراء من سوريا: "بعد صلاة العيد الكبير (الأضحى)، يذهب الناس عادة لزيارة القبور، وبعدها نتوجه جميعا إلى البيت الكبير، وهو بيت الجد عادة، أو العم الكبير، الذي يفتح بيته في العيد لاستقبال أفراد العائلة، ويقوم الجد بإعطاء الأطفال المصاري (العيدية)، بينما تقوم الست (الجدة) بتوزيع الهدايا عليهم، إلى جانب العيدية".
وفي دول المغرب العربي –تونس والمغرب والجزائر- تسمى العيدية غالبا "الفطرة" أو "الزيارة".
وتحكي سعاد من المغرب قائلة: "في صباح يوم العيد يخرج الأطفال لزيارة الأقارب والجيران وجمع العيدية خلال اليوم، والتي تسمى في بعض العائلات حق العيد، وتحاول الكثير من العائلات أن تجعل العيدية أكثر من مجرد مبلغ مالي، بل ذكرى مليئة بالمحبة، كوضع العيدية داخل ظرف مزين مع رسالة لطيفة لهم، مع تقديم الحلوى".
في الخليج، ترتبط العيدية بمصطلح "الخردة"، والتي تعني الأوراق النقدية الصغيرة والجديدة التي يتم تجهيزها لتوزيعها على الأطفال، حيث يتسابق الناس للحصول عليها من البنوك قبل العيد بأسابيع.
تقول أمل من قطر: "عادة ما تكون العيدية مبلغا من المال يسمى خردة العيد، ويجب أن تكون جديدة من الفئات النقدية التي يصدرها مصرف قطر المركزي، وقد تختلف قيمتها حسب درجة قرابة أطفال العائلة، أما الجيران فيكون المبلغ أقل".
وتكمل أمل: "ومن العادات الشعبية في العيد تبادل التهاني واجتماع الأهل على وجبة الغداء في المنزل الكبير، ويقوم الأطفال بالتجول في الفريج (الحي السكني)، وتهنئة الجيران والحصول على العيدية، وهم يرددون أغاني وأهازيج العيد أثناء طرق الأبواب".
تقدم العيدية في تركيا خلال عيد الأضحى، والذي يسمى "قربان بيرام"، بشكل أساسي للأطفال والشباب كرمز للمحبة والفرح، حيث يأخذ عادة شكل مبالغ مالية أو قطع نقدية معدنية جديدة توضع في أظرف مزينة، بجانبها قطعة من حلوى "الحلقوم" الشهيرة.
ومن أبرز عادات العيد لديهم حين يبادر الصغار بتقبيل يد الأكبر سنا ووضعها على جبهتهم، ليقوم بعدها الكبير بتقديم العيدية لهم، ويخصص اليوم الأول عادة لصلة الرحم وزيارة العائلة والأقارب، وهو الوقت الأكثر شيوعا لتوزيع العيديات على الأطفال داخل العائلة الممتدة، وقد يقوم الجيران أحيانا بتقديم مبالغ مالية بسيطة أو حلوى لأطفال الحي الذين يطرقون الأبواب للمعايدة.
ومع تسارع وتيرة التكنولوجيا، دخلت العيدية كغيرها عصر الرقمنة، وحلت "العيدية الإلكترونية" بديلا عصريا يواكب حداثة وسرعة هذه الأيام، عن طريق تطبيقات البنوك المحلية التي توفر خدمات إرسال المبالغ المالية مرفقة ببطاقات معايدة رقمية، والتحويلات السريعة التي تسهل تقديم العيدية للأقارب المغتربين أو الذين يسكنون في مدن بعيدة، وبطاقات الهدايا الرقمية التي يمكن استخدامها كهدية مميزة في العيد.
ورغم أن هذا التطور سهل المهمة، إلا أن كثيرين لا يزالون يتمسكون بـ"العيدية النقدية"، مؤكدين أن بريق العملة الورقية الجديدة في يد الطفل لا يعوضه أي إشعار رقمي.
إن "قاموس العيدية" يثبت لنا أن الشعوب الإسلامية، رغم اختلاف ألسنتها وجغرافيتها، تلتقي عند قيمة "العطاء"، وأن العيدية ليست مجرد نقود تهدى، بل هي أداة لتعزيز صلة الرحم، وتعليم الصغار قيمة الكرم، وإشعارهم بخصوصية هذا اليوم.







