قتلى احتجاجات إيران: لماذا تتباين الأرقام بين 2000 و20 ألفاً؟

في ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية في إيران للأسبوع الثالث على التوالي، تتسع الفجوة بشكل كبير بين الأرقام المعلنة لعدد القتلى، مما يخلق "حرب أرقام" تعكس حجم الضبابية والتعتيم الذي تفرضه السلطات على ما يجري على الأرض. وتتراوح الحصيلة بين 2000 قتيل في أول إقرار رسمي، وتصل إلى تقديرات مخيفة تتحدث عن 20 ألفاً، فما سبب هذا التباين الهائل؟
أربع روايات متضاربة
يمكن تلخيص المشهد بأربع روايات رئيسية، لكل منها منهجيتها ومصادرها:
الرواية الرسمية (2000 قتيل): لأول مرة، أقرت السلطات الإيرانية بسقوط نحو 2000 قتيل، لكنها نسبتهم إلى "إرهابيين وعناصر مسلحة" دون تقديم أي تفاصيل حول هوياتهم أو آلية إحصائهم، مما أبقى الباب مفتوحاً للتشكيك.
التوثيق الحقوقي (2571 قتيلاً): تمثل منظمة "هرانا" (وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان) أبرز جهة توثيقية، حيث أعلنت عن مقتل 2571 شخصاً، بينهم 2403 متظاهرين. تعتمد هذه المنظمات على شبكة من النشطاء والمحامين ومصادر ميدانية، وتخضع كل معلومة لعملية "تحقق متقاطع" صارمة قبل إعلانها، مما يجعل أرقامها هي الأكثر دقة وتفصيلاً، لكنها في الوقت نفسه تمثل الحد الأدنى المؤكد وليس بالضرورة الحصيلة النهائية.
التقديرات الاستخباراتية (5000 قتيل): نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول أمريكي أن إسرائيل شاركت واشنطن تقييماً استخبارياً يفيد بمقتل ما لا يقل عن 5000 محتج. هذه الأرقام تعتمد على تحليل استخباري ومعلومات غير معلنة، وتهدف إلى تقدير حجم القمع وليس توثيق كل حالة على حدة.
التقارير الإعلامية (تصل إلى 20 ألف قتيل): ذهبت شبكة "سي بي إس" الأمريكية إلى أبعد من ذلك، حيث نقلت عن مصادر تقديرات تشير إلى أن عدد القتلى قد يتجاوز 12 ألفاً ويصل إلى 20 ألفاً. تستند هذه التقارير إلى مصادر داخلية ومقاطع فيديو تظهر أعداداً هائلة من أكياس الجثث، لكنها تظل تقديرات يصعب التحقق منها بشكل مستقل.
لماذا هذه الفجوة؟
يعود هذا التباين الحاد إلى عدة عوامل، أهمها التعتيم الممنهج الذي تفرضه السلطات الإيرانية عبر:
- قطع الإنترنت والاتصالات: مما يعيق بشكل شبه كامل قدرة النشطاء والمواطنين على توثيق الانتهاكات ونقلها للعالم الخارجي.
- القيود الصارمة: منع الصحافيين المستقلين والمنظمات الدولية من الوصول إلى مناطق الاحتجاجات والمستشفيات والمشارح.
- غياب الشفافية الرسمية: عدم نشر قوائم بأسماء الضحايا أو فتح تحقيقات مستقلة.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح من شبه المستحيل الحصول على رقم دقيق وموحد. وبينما تقدم المنظمات الحقوقية الأرقام التي يمكنها التحقق منها بالاسم والتاريخ والمكان، تقدم الجهات الاستخباراتية والإعلامية تقديرات أوسع تعكس الانطباع العام بحجم "المجزرة". ويبقى الرقم الحقيقي لضحايا قمع الاحتجاجات في إيران ملفاً مفتوحاً، ورمزاً لأزمة تتفاقم خلف جدار من الصمت والتعتيم.







