البحر الاحمر: تحركات مصرية لمواجهة مساعي اثيوبيا المستمرة

تتصاعد وتيرة اللقاءات المصرية مع مسؤولين من دول الجوار، بدءا بإريتريا، الدولة الشمالية المحاذية لإثيوبيا، مرورا باليمن، البوابة الاستراتيجية على البحر الأحمر، وذلك في إطار التأكيد المستمر على رفض القاهرة لأي وجود لدول غير مشاطئة على هذا البحر الحيوي لأمنها القومي، وذلك في مقابل مساع حثيثة تبذلها إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، للوصول إلى منفذ بحري على تلك السواحل.
وتتفق هذه التحركات المصرية، كما بينت خبيرة مصرية في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مع القانون الدولي ومع اعتبارات الأمن القومي المصري، إضافة إلى أهميتها في تحقيق الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بينما يرى محللون إثيوبيون أن الميناء يمثل بالنسبة لأديس أبابا «رئة تتنفس بها»، مؤكدين عزمها على مواصلة تحركاتها في هذا الشأن.
وباتت إثيوبيا دولة حبيسة وغير ساحلية منذ عام 1993، وهو العام الذي شهد استقلال إريتريا بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، ما جعلها تعتمد بشكل كبير على موانئ جيرانها، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي.
وخلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري - اليمني، تناولت المباحثات بشكل معمق مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدد عبد العاطي على «الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».
واكد أن «تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له»، داعياً إلى «أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن».
واتفق الجانبان خلال اللقاء على «ضرورة تبني مقاربة شاملة لأمن البحر الأحمر لا تختزل في المنظور الأمني والعسكري، بل تستوعب الأبعاد الاقتصادية والتنموية للدول المشاطئة».
وخلال زيارته لأسمرة في مايو الحالي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب البيان المصري.
ولم يسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.
وترى الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني، أن تحركات القاهرة «تستهدف الحفاظ على الأمن القومي المصري في البحر الأحمر، ومن حقها قانونا أن تتمسك برفض حصول أديس أبابا على منفذ بحري»، متوقعة أن تظل تلك القضية على جدول أعمال الخارجية المصرية الفترة المقبلة حرصا على أمنها ومصالحها.
وفي المقابل، تصر إثيوبيا على تصدير ذلك الملف قبيل انتخابات عامة تشهدها البلاد في يونيو المقبل.
وعد رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري «قضية وجودية ومصيرية»، مشيرا إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية.
وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها «تحاول تطويق وعرقلة» وصول بلاده إلى البحر الأحمر، ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.
ومنذ توليه منصبه في أبريل 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر، وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضا من مقديشو والقاهرة والجامعة العربية.
وقالت أسماء الحسيني: «إصرار إثيوبيا الدولة الحبيسة على الوصول لمنفذ بحري أمر لا يعقل، فلو أن كل دولة حبيسة أو غير مطلة على منفذ بحري فعلت ما تفعله أديس أبابا لتصاعدت الصراعات بالمنطقة»، لافتة إلى أن المساعي الإثيوبية «عدائية ومن شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».
وشككت في حديث أديس أبابا بخصوص الوصول لهذا المنفذ بالوسائل السلمية، متوقعة أن تخوض حربا ضد إريتريا بشأنه، وأن حديثها مجرد تمهيد لذلك.
ووفق تصريحات إثيوبية سابقة، فإن المنفذ البحري يعد بمثابة «رئة لإثيوبيا»، ولن تترك أي محفل في التأكيد على حقها به، والتحرك إليه عبر الطرق السلمية.







