تحديات اقتصادية تواجه واشنطن مع ارتفاع عوائد السندات

تواجه الادارة الاميركية برئاسة الرئيس دونالد ترمب اختبارا معقدا وغير متوقع في ادارة دفة السياسة الاقتصادية، حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة الى حد كبير، تتمثل في سوق السندات الاميركية التي بدات تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.
وبينما يتحدث البيت الابيض عن احراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لانهاء الحرب المستمرة منذ 3 اشهر مع ايران، ركز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الاجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة، وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لاجل 10 سنوات الى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخرا، وهو الاعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.
وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الاميركي، بدءا من القروض العقارية، مرورا ببطاقات الائتمان، وصولا الى قروض الشركات، ما يهدد الاستقرار المالي الاجمالي.
ويرى غريغ فارانيلو رئيس استراتيجية الاسعار الاميركية في مؤسسة اميري فيت سيكيوريتيز ان السوق بدات تفرض نوعا من الالم الاقتصادي، مشيرا الى ان المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتما على قطاع الاسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة اسوشييتد برس.
ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الابيض تتعلق بالقفزة المستمرة في اسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تشكل المصدر الاكبر للقلق الاداري حاليا، وياتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع اسعار الفائدة بوصفها اداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلا من خفضها كما يطالب ترمب بانتظام، ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للاسواق.
وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بعدا سياسيا بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ، اذ يثير انفاق ادارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.
ويؤكد خبراء ان معيار القدرة على تحمل التكاليف بات الكلمة الاكثر ترددا في اروقة واشنطن، نظرا لان مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي الى تبريد الطلب على الاسكان، والضغط على انفاق المستهلكين، وفي اسوا السيناريوهات دفع الاقتصاد نحو الركود.
وفي المقابل تسعى الادارة الاميركية الى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية، اذ صرح وزير الخزانة الاميركي سكوت بيسنت بان الارتفاع الحالي في العوائد خصوصا في الاجال الطويلة للمنحنى مدفوع اساسا بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب ايران، مؤكدا انها ضغوط مؤقتة ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.
واكد المتحدث باسم البيت الابيض كوش ديساي ان التركيز يظل منصبا على الاجندة طويلة الاجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الانفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.
تاريخيا لطالما شكلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوما للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية، وهي المفارقة التي لخصها المستشار السياسي الاسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي بقوله انه يرغب في ان يعود للحياة على هيئة سوق السندات لقدرتها العالية على اخافة الجميع وترهيبهم.
ويرى الخبراء والمحللون ان خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية حتى لو قفزت الاسعار الى مستوى الالم الحرج المقدر بنحو 5 في المائة، فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد، وبالتالي فان اي تدخل حكومي عنيف او مصطنع قد يقوض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، وياتي بنتائج عكسية تؤدي الى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الاميركي معلقا بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لاسواق المال.







