كلمات قد تؤثر في صحتك: كيف تشكل نظرتنا للشيخوخة واقعنا؟

تتداول بين الناس عبارات تبدو بسيطة حول التقدم في العمر، لكنها تحمل أحكاما مسبقة تؤثر على نظرة الفرد لنفسه ولمن حوله، وتشير دراسة نشرت في مجلة تايم إلى أن الطريقة التي نتحدث بها عن الشيخوخة قد تؤثر على صحتنا الجسدية والعقلية وكيفية تقدمنا في السن.
وتؤكد بيكا ليفي، الباحثة في الصحة العامة وعلم النفس بجامعة ييل، أن المعتقدات التي يحملها الشخص عن الشيخوخة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، ترتبط بشكل مباشر بكيفية تقدمه في العمر.
فالأشخاص الذين يتبنون تصورات إيجابية عن الشيخوخة يكونون أكثر قدرة على الحفاظ على نشاطهم الجسدي، مثل المشي بسرعة أكبر، كما يتعافون بشكل أفضل من الأمراض ويظهرون التزاما أكبر بالعناية الذاتية، إضافة إلى مؤشرات أفضل في الصحة الإدراكية مقارنة بمن يحملون نظرة سلبية للتقدم في العمر.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تشير بعض النتائج البحثية إلى أن الأشخاص الذين ينظرون للتقدم بالعمر بإيجابية قد يظهر لديهم انخفاض في مؤشرات التدهور المعرفي المرتبط بالخرف، بل إن بعض الدراسات تتحدث عن إمكانية تحسن أو استقرار بعض القدرات الإدراكية لدى كبار السن عندما تتغير نظرتهم الداخلية للعمر.
وهذا ما يعزز فكرة أن الشيخوخة ليست مسارا بيولوجيا ثابتا فقط، بل تجربة تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية بشكل كبير، وتوضح هذه الدراسات أن الرسائل التي يتلقاها الإنسان منذ طفولته عن الشيخوخة تتحول تدريجيا إلى قناعات داخلية راسخة، تؤثر على سلوكه اليومي وعلى طريقة تعامله مع جسده وحتى على مستوى طاقته وإقباله على الحياة.
وكلما كانت هذه الرسائل سلبية ومشحونة بفكرة الانحدار الحتمي انعكس ذلك على الصحة العامة بشكل أعمق مما يعتقد عادة، وفي هذا السياق لا تقتصر المشكلة على المعتقدات الفردية فقط بل تمتد إلى اللغة اليومية التي نستخدمها دون انتباه.
فالكثير من العبارات الشائعة تعيد إنتاج فكرة أن التقدم في العمر يعني التراجع أو فقدان القيمة أو انخفاض الكفاءة، ومن أبرز هذه العبارات ما يلي:
1- "لقد كبرت على هذا الأمر"
هذه العبارة تستخدم لتبرير التوقف عن ممارسة نشاط معين أو تجربة شيء جديد، وكأن العمر وحده كاف لتحديد قدراتنا وما يمكن لنا أن نعمل، لكنها تتجاهل أن القدرة الجسدية والنفسية تختلف من شخص لآخر وأن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة فقدان القدرة بل قد يرتبط فقط بتغير الأولويات أو الاهتمامات.
2- "هذه هفوة كبار السن"
يستخدم هذا التعبير عند نسيان شيء ما أو وقوع خطأ بسيط، لكنه يختزل كل أشكال التشتت أو النسيان في عامل واحد هو العمر، وفي الواقع النسيان يمكن أن يحدث في أي مرحلة عمرية ويرتبط بعوامل متعددة مثل الضغط النفسي أو قلة النوم أو تعدد المهام وليس التقدم في السن وحده.
3- "الأمور ستسوء من الآن فصاعدا"
هذه العبارة تعكس تصورا بأن التقدم في العمر يعني بالضرورة تدهورا مستمرا في الصحة والقدرات، لكن الأبحاث ومنها أعمال بيكا ليفي تشير إلى أن هذا الاعتقاد نفسه قد يسهم في نتائج صحية أسوأ لأن النظرة السلبية للعمر تؤثر على السلوك الصحي وعلى التفاعل مع العلاج والنشاط اليومي.
4- "أنت تبدو جيدا بالنسبة لعمرك"
رغم أنها تقال مجاملة فإنها تحمل في داخلها مقارنة ضمنية تجعل العمر معيارا سلبيا، فهي تفترض أن التوقع الطبيعي هو التدهور وأن الظهور الجيد في هذا العمر أمر غير معتاد مما يعزز الفكرة النمطية عن الشيخوخة.
5- "أنا أشعر أنني أصغر من عمري"
توضح خبيرة علم الشيخوخة تريسي غيندرون أن هذه العبارة رغم نيتها الإيجابية تعزز فكرة أن العمر الحقيقي شيء سلبي يجب الهروب منه، وكأن القيمة في أن تكون أصغر وليس في أن تكون في عمرك الحالي وتعيشه بشكل جيد.
6- "لا يمكن أن تتعلم في هذا العمر"
هذه المقولة تستخدم لتبرير التوقف عن اكتساب مهارات جديدة لكنها تتعارض مع أبحاث المرونة العصبية التي تؤكد أن الدماغ قادر على تشكيل روابط عصبية جديدة في جميع المراحل العمرية، وهو ما يعني أن التعلم لا يتوقف عند عمر معين.
7- "أنا لست عجوزا.. أنا فقط ناضج"
هذه العبارات تستخدم لتخفيف وقع كلمة عجوز لكنها في الحقيقة تعكس عدم تقبل فكرة الشيخوخة ذاتها، فبدل تغيير الكلمة يتم تجميلها فقط دون معالجة النظرة السلبية المرتبطة بها.
8- "هل ما زلت تعمل؟"
رغم أنها تبدو سؤالا عاديا فإنها تفترض أن العمل في سن متقدم أمر غير متوقع، وفي الواقع هناك تزايد في أعداد كبار السن الذين يستمرون في العمل لأسباب اقتصادية أو اجتماعية ومن ثم فإن السؤال قد يحمل إيحاء ضمنيا بعدم الملاءمة.
9- "ليست مناسبة لعمرك"
هذا النوع من العبارات يفرض قواعد غير مكتوبة للسلوك المناسب للعمر، وكأن هناك حدودا صارمة لما يمكن للإنسان فعله في كل مرحلة عمرية، لكنه يتجاهل أن الأفراد يختلفون في اهتماماتهم واختياراتهم بغض النظر عن أعمارهم.
وتشير الأبحاث في مجال الشيخوخة إلى أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير بل هي عامل يؤثر في تشكيل التجربة الإنسانية مع العمر.
فكلما كانت العبارات أقل سلبية وأكثر واقعية انعكس ذلك على نظرة الإنسان لنفسه وعلى سلوكه الصحي بل وعلى نمط حياته بشكل عام، وتؤكد هذه الدراسات أن الشيخوخة ليست انحدارا حتميا بل مرحلة يمكن أن تترافق مع النشاط والتعلم والاستمرار في التطور.







