تغييرات في قيادة الأمن الداخلي بالجزائر: ما دلالات إقالة الجنرال حسان؟

أثار قرار إبعاد مدير الأمن الداخلي الجزائري، اللواء عبد القادر آيت وعرابي، الذي أعلن عنه مؤخرا، تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، فرغم أن القرار لم يكن مفاجئا تماما، إلا أن توقيته ودوافعه أثارا جدلا كبيرا، حيث نقلت بعض الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أن الرجل لم يعد على توافق مع القيادتين السياسية والعسكرية، دون توضيح الأسباب.
وأشرف الفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش، على التنصيب الرسمي للواء منير زاهي مديراً عاماً للأمن الداخلي، خلفاً للواء عبد القادر آيت وعرابي، وتستمر بذلك سلسلة التغييرات المتتالية على رأس المديرية العامة للأمن الداخلي، ومنذ عام 2019، شهد هذا الجهاز الأمني الحساس تعاقب ستة قادة على رئاسته، وهي وتيرة تجديد غير معتادة، ما أثار تحليلات حول وجود حالة من عدم الاستقرار المستمر داخل الجهاز الأمني.
وبعد أقل من عام على تعيينه، غادر اللواء عبد القادر آيت وعرابي، المعروف بـ«الجنرال حسان»، رئاسة الأمن الداخلي في أجواء سادها التكتم، ورغم أن القرار بدا إدارياً، إلا أن خلفياته انقسمت بين روايتين، الأولى تشير إلى انسحابه طوعاً، والأخرى ترجح إقالته بسبب خلافات استراتيجية مع القيادة العسكرية بشأن إدارة ملفات حساسة، وقد خلفه في المنصب الجنرال منير زاهي، المتحدر من صفوف المديرية نفسها.
ويثير الرحيل المبكر لآيت وعرابي تساؤلات جوهرية، فقد كان قد غادر السجن العسكري حيث قضى خمس سنوات بناء على تهم تتعلق بمخالفة التعليمات العسكرية وإتلاف وثائق عسكرية استراتيجية، وعد تعيينه آنذاك مؤشراً على رغبة القيادة في استعادة السيطرة وإرساء الاستقرار في هذا القطاع الاستراتيجي، إلا أن مغادرته السريعة تشكل قطيعة مع التقاليد المعهودة في تداول السلطة، وتسلط الضوء على طبيعة التفاعلات الداخلية التي يعيشها الجهاز الأمني.
وتأتي هذه الخطوة لتكمل مشهداً بدأ بإنهاء مهام سلفه، الجنرال عبد القادر حداد، المعروف بـ«ناصر الجن»، والذي غادر هو الآخر قيادة المديرية في ظروف مضطربة، وهو حالياً رهن الحبس الاحتياطي بالسجن العسكري، دون الكشف عن التهم الموجهة له.
ويشير هذا التتابع السريع لرئيسين على رأس الأمن الداخلي، في فترة زمنية قصيرة، إلى مراجعات في العقيدة الأمنية أو تحكيمات استراتيجية حاسمة على أعلى مستويات القرار.
ويندرج التغيير الأخير في سياق حالة عدم الاستقرار الإداري التي تلازم المديرية العامة للأمن الداخلي منذ التحول السياسي الذي شهدته البلاد عام 2019.
وخلال السنوات الماضية، تعاقب على رئاسة هذا الهيكل الحساس عدد غير مألوف من القادة، ما يشكل قطيعة واضحة مع مرحلة الولايات الطويلة التي كانت سائدة في السابق، خصوصاً مع الفريق محمد مدين، الذي بقي على رأس الأمن الداخلي لمدة طويلة وسجن هو الآخر في سياق الانفجار الشعبي ضد بوتفليقة.
وهذا المخاض المتسارع داخل جهاز مكلف بملفات سيادية حارقة، يترجم عمق التحديات الراهنة، ويعكس أن الأمن الداخلي يمر بمرحلة إعادة تموضع للبحث عن استقرار قيادي، وهي معادلة صعبة تفرضها ضرورة عصرنة آليات التحقيق والتصدي للحروب السيبرانية، والمناورة وسط محيط إقليمي شديد التعقيد.
وأول من دفع ثمن انعدام الاستقرار في هذا الجهاز هو العميد واسيني بوعزة، الذي عُين على رأس المديرية العامة للأمن الداخلي في 2019، واستمر في منصبه حتى أقيل في 2020، وتوبع قضائياً وصدرت بحقه أحكام بالسجن، ثم جاء بعده اللواء عبد الغني راشدي في 2020، واستمر في منصبه حتى صيف 2022.
وتعاقب بعد هذه الفترة على رئاسة الجهاز كل من اللواء جمال كحال مجذوب، ثم اللواء عبد القادر حداد، ليعقبه اللواء عبد القادر آيت وعرابي، وصولاً إلى التعيين الأخير للجنرال منير زاهي.
ووفق مصادر مطلعة، فقد جاء اختيار القائد الجديد للأمن الداخلي ليعكس رغبة واضحة في الحفاظ على الاستمرارية والاعتماد على الكفاءات الفنية، فالجنرال منير زاهي يعد ابناً شرعياً للمؤسسة الاستخباراتية والأمن العسكري، إذ تدرج في الرتب العملياتية عبر مختلف المديريات الفرعية، وهو ما أتاح له قبضة محكمة على أدق ملفات الأمن الوطني.
ولا تقتصر مؤهلاته على العمل الميداني، بل تمتد إلى الساحة الدولية من خلال إشرافه على ملفات تعاون استراتيجي وحوارات أمنية وعسكرية رفيعة المستوى مع شركاء غربيين وازنين كالولايات المتحدة، ومن شأن تعيين هذا الضابط السامي، الموصوف بالصرامة والتكتم وببروفايله التكنوقراطي، أن يحقق تطلعات القيادة العليا في تأمين انتقال داخلي هادئ، يضمن استقرار الجهاز ويحول دون حدوث أي شرخ في منظومة العمل السيادي.







