أسواق السندات تواجه ضغوطا ثلاثية: الحرب والتضخم والديون

تشهد أسواق المال العالمية حالة من عدم الاستقرار والارتباك نتيجة لعمليات بيع مكثفة طالت السندات السيادية في مختلف أنحاء العالم، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود.
وتفاقمت الأوضاع عقب هجمات استهدفت منشآت للطاقة في منطقة الخليج، مما عزز المخاوف بشأن استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يعتبر نقطة استراتيجية حيوية.
وارتفعت أسعار النفط الخام لتتجاوز 111 دولارا للبرميل، مما أثار مخاوف من تحول التضخم المؤقت إلى تضخم دائم، وهو ما يهدد الاقتصادات الكبرى بالركود، ونتيجة لذلك، قفزت عوائد السندات الأمريكية لأجل 30 عاما إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023، مسجلة 5.16 في المائة، بينما شهدت السندات اليابانية والبريطانية ارتفاعات مماثلة.
ولا تقتصر تأثيرات هذه التطورات على الأسواق المالية، بل تمتد لتشمل القوة الشرائية للمواطنين وتكاليف المعيشة، وكشفت دراسة أن حربا في منطقة ما كلفت الأسر مبالغ إضافية كبيرة بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
وارتفعت أسعار البنزين، مما أدى إلى زيادة التضخم، ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية، والتحول نحو السندات الحكومية ذات العوائد المرتفعة، ويترقب المستثمرون نتائج أعمال شركات التكنولوجيا، وسط ضغوط ناتجة عن تضخم أسعار الرقائق.
وإلى جانب أزمات الطاقة والذكاء الاصطناعي، يمثل حجم الديون السيادية المتراكمة تحديا كبيرا، ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الدين العام العالمي قد يصل إلى 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029.
ويؤدي هذا الإسراف المالي إلى مطالبة المستثمرين بعلاوة مخاطر تضخمية أعلى، مما يجبر الحكومات على تحمل تكاليف تمويل باهظة.
كذلك، تبدو البنوك المركزية غير قادرة على السيطرة على التضخم، وتشير التوقعات إلى احتمال رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب، مما أفقد السندات القديمة جاذبيتها.
ويعزز النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الضغوط التضخمية، مدفوعا بعوامل مثل التغيرات الديموغرافية وتراجع العولمة وتكاليف التحول نحو الطاقة الخضراء.
وتأسيسا على هذه التطورات، يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية لمجموعة السبع في باريس لبحث سبل تنسيق المواقف واحتواء تقلبات أسواق الدين.
ورغم تصريحات المسؤولين التي تقلل من حجم الأزمة، إلا أن هناك اعترافا بالقلق بشأن الوضع الاقتصادي العالمي.
وتكشف الكواليس عن خلافات بين الحلفاء حول أسباب الأزمة، حيث يرى البعض أن الولايات المتحدة تفرط في الاستهلاك والديون، بينما الصين تفرط في الإنتاج، وأوروبا تعاني من ضعف الاستثمار، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار الفائدة وتهديد النمو العالمي.
وفي المحصلة، تشير التطورات في أسواق الدين العالمية إلى انتهاء عصر الأموال الرخيصة، وأن القوى الاقتصادية الكبرى تواجه واقعا ماليا جديدا يتطلب إعادة تقييم المخاطر وتكاليف الائتمان.
وبينما يترقب العالم نتائج الاجتماعات وقرارات البنوك المركزية، يبقى من المؤكد أن السيطرة على التضخم وتأمين سلاسل الإمداد سيكلف الاقتصاد العالمي ثمنا باهظا.







