تدهور التعليم في لبنان يثير قلق الأكاديميين مع استمرار الأزمات

في قرار لم يكن مفاجئا، أعلنت وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي، يوم الجمعة، عن إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام، معتمدة العلامات المدرسية وامتحان داخل المدرسة كبديل، وهو ما اعتاده الطلاب وأهاليهم والكادر التعليمي في السنوات الماضية تماشيا مع الأزمات والحروب المتتالية التي شهدها لبنان.
وجاء هذا الإعلان بعد أيام من إعلان مماثل لوزارة التربية الفرنسية بإلغاء شهادة البكالوريا الفرنسية في لبنان وعدد من دول الشرق الأوسط، وهي شهادة ثانوية رسمية تتبع المنهاج الفرنسي وتشرف عليها وزارة التربية الفرنسية عبر شبكة المدارس الفرنسية في الخارج التابعة لها.
وعلى الرغم من تأكيد الوزيرة اللبنانية الإبقاء على امتحانات الشهادة الثانوية، مع قرار بتقليص الدروس في مواد معينة واعتماد 3 دورات متتالية، فان أكاديميين ومعنيين بالقطاع التعليمي باتوا يدقون ناقوس الخطر مع التراجع المدوي في مستوى التعليم في البلاد، مع تآكل جودة التعليم وضعف اكتساب الطلاب للمهارات والمعارف الأساسية نتيجة تراجع عدد أيام التدريس الفعلية في المدارس اللبنانية التي تحول قسم كبير منها إلى مراكز نزوح.
ويرى أكاديميون أن الحديث عن التفاوت في مستوى التعليم بين المدارس الرسمية والخاصة كما بين المناطق اللبنانية لم يعد مجرد توصيف عابر لأزمة ظرفية، بل بات أقرب إلى ما يشبه «فيدرالية تعليمية» غير معلنة، ففي وقت تتمكن فيه بعض المدارس الخاصة من الحفاظ نسبيا على برامجها التعليمية واستقرار كوادرها، تواجه مدارس رسمية، خصوصا في المناطق التي تعد غير آمنة، صعوبات هائلة أدت لدمار أو إقفال العدد الأكبر منها واعتماد بعضها التعليم عن بعد الذي لم يتمكن عدد كبير من التلاميذ الالتحاق به.
واضاف أكاديميون ان استمرار هذا الواقع يهدد وحدة النظام التربوي اللبناني ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ، بحيث بات مستوى التحصيل العلمي مرتبطا أكثر من أي وقت مضى بالمنطقة الجغرافية والوضع الاجتماعي والقدرة المادية للأهل، لا بالمناهج الرسمية أو السياسات التربوية الموحدة.
وتشدد الدكتورة نسرين شاهين، رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي بلبنان، على أنه لا يمكن اعتماد مقاربة واحدة للتعليم في لبنان، بحيث يختلف الواقع التعليمي خلال الحرب بين المدارس الرسمية والخاصة حتى بين المدارس الرسمية نفسها، إذ إن هناك 15 في المائة من المدارس الرسمية خارج نظام التعليم كليا نتيجة الدمار والنزوح ووجودها في مناطق غير آمنة، فيما 85 في المائة من المدارس منقسمة بين تعليم حضوري وتعليم عن بعد ما يجعلنا بصدد (فيدرالية تعليمية) واضحة يفترض مقاربة كل الواقع التعليمي على أساسها، متحدثة عن خلل في سير العام الدراسي باعتبار أن التعليم عن بعد أيضا لم يكن ممكنا ومتاحا للجميع.
وتعتبر شاهين أن إلغاء الشهادة المتوسطة كان يفترض أن يحصل، خصوصا أنها ليست أصلا معيارا في سلم الشهادات التعليمية، إضافة إلى أنه ونتيجة الحرب الراهنة فلا عدالة ولا مساواة في تلقي التعليم ولا إمكانات أمنية ولوجستية تتيح إجراء الامتحانات، مضيفة: «المدارس الخاصة تمكنت من تطبيق الخطط التعليمية التي وضعتها وأنهت المنهج السنوي، أما المدارس الرسمية فلم تتمكن إلا من إكمال جزء من المنهج ما يؤدي إلى هوة كبيرة وإلى وجود مستويين تعليميين في لبنان ما يوجب التعاطي مع الواقع على هذا الأساس لا أن تتم معاملة كل الطلاب بالطريقة نفسها ما يؤدي لتخفيض المستويات التعليمية في البلد ككل».
وبين الباحث محمد شمس الدين انه على الرغم من المخاوف التي يعبر عنها بعض الأهالي من أن يكون لإلغاء الشهادات الرسمية تداعيات على فرص التحاق أولادهم في جامعات خارج لبنان، فان إلغاء الشهادات الرسمية ليس معيارا لقياس مستوى التعليم ومستوى الطلاب، بحيث إن الجامعات الكبرى تعتمد على امتحانات محددة تختلف عن الامتحانات الرسمية، مذكرا بأنه كانت هناك 4 شهادات رسمية في لبنان بدأ العمل على إلغائها تباعا.
وفي مقاربة أوسع للواقع التعليمي، تتحدث الدكتورة في علم النفس بالجامعة اللبنانية في بيروت، منى فياض، عن مستقبل مأزوم لأجيال كاملة، فالدراسة متقطعة منذ سنوات إضافة إلى عدم وجود مساواة في تأمين التعليم، واصفة الوضع بأنه يرثى له ما ينعكس تلقائيا على هبوط في مستوى الطلاب اللبنانيين وإن كان سيبقى هناك على المستوى الفردي من سيتفوقون ويبرعون في الداخل والخارج لكن واقع الغالبية العظمى سيكون صعبا.
واضافت فياض انه إذا توقفت الحرب قريبا فسنحتاج لسنوات كي نعود إلى الوضع الذي كنا فيه وهو أصلا كان وضعا سيئا.
وتعتبر فياض أن إلغاء الشهادات الرسمية ورمي الكرة في ملعب المدارس يفاقمان الوضع، بحيث إنه ونتيجة الفساد الذي يعصف بكل المؤسسات ومنها المدارس فلا ثقة بإداراتها بأنها ستتعامل بشفافية مع الامتحانات الموحدة التي قد تحصل من دون أن ننسى وضع الأساتذة السيئ جدا الذي قد يكون أسوأ من أوضاع الطلاب أنفسهم.







