انتهاكات الاحتلال تتصاعد.. تقارير تكشف تعذيبا ممنهجا وتأجير منازل الفلسطينيين

تكشف تقارير وتحقيقات صحفية غربية عن صورة قاتمة لممارسات الاحتلال الاسرائيلي، تتجاوز مشاهد الحرب والدمار الى انتهاكات يومية تستهدف الفلسطينيين في حياتهم وكرامتهم وممتلكاتهم، سواء داخل السجون الاسرائيلية أو في الاراضي المحتلة بالضفة الغربية والقدس.
وفي ظل استمرار الحرب على غزة والتوترات في الضفة الغربية، تتزايد الاتهامات لاسرائيل بتحويل الاحتلال الى منظومة دائمة تتداخل فيها سياسات القمع الامني مع التوسع الاستيطاني وتطبيع السيطرة على الاراضي الفلسطينية.
وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة بتسيلم الحقوقية الاسرائيلية يولي نوفاك في مقال نشرته صحيفة غارديان البريطانية، ان السجون الاسرائيلية تحولت منذ اكتوبر الى شبكة من معسكرات التعذيب، مشيرة الى شهادات لفلسطينيين تحدثوا عن انتهاكات جسدية ونفسية شديدة، بينها العنف الجنسي والاذلال والتجويع والضرب المبرح.
وبحسب المقال، تتسم الروايات بالاتساق بقدر ما تتسم بالبشاعة، فوصف فلسطينيون محتجزون لدى اسرائيل استخدام العنف الجنسي اداة للتعذيب والسيطرة كالتعري القسري والضرب المبرح على الاعضاء التناسلية واطلاق الكلاب على السجناء العراة.
ونقلت الصحيفة عن معتقلين سابقين قولهم ان التعذيب لم يكن حالات فردية معزولة بل جزءا من سياسة اوسع تهدف الى كسر الاسرى نفسيا وتجريدهم من انسانيتهم.
وتشير المنظمة الحقوقية الى ان اكثر من 88 معتقلا فلسطينيا توفوا داخل السجون الاسرائيلية منذ اكتوبر، وهو رقم غير مسبوق.
كما اتهمت المنظمة السلطات الاسرائيلية بالسعي الى اسكات كل من يحاول كشف هذه الانتهاكات سواء عبر مهاجمة الصحفيين والمنظمات الحقوقية او عبر التشكيك في التقارير الاعلامية الدولية التي تناولت الملف.
ويقول المقال ان ردود الفعل الاسرائيلية على تقارير صحفية امريكية وغربية تناولت الانتهاكات ركزت على نفي الوقائع واتهام الصحف بالترويج للدعاية بدلا من فتح تحقيقات شفافة في الاتهامات المتداولة.
واشارت الى رد السلطات الاسرائيلية على ما كتبه الصحفي الامريكي نيكولاس كريستوف في صحيفة نيويورك تايمز عن تعذيب واعتداءات جنسية ضد معتقلين فلسطينيين، برد شديد اللهجة وصل الى حد الاتهام بالتضليل والتهجم على الدولة الاسرائيلية ومؤسستها العسكرية.
وفي سياق الرد الرسمي، اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر عزمهما اتخاذ اجراءات قانونية ضد نيويورك تايمز بما في ذلك رفع دعوى بتهمة التشهير في خطوة اعتبرت تصعيدا غير مسبوق في المواجهة مع وسائل الاعلام الدولية.
وترى منظمة بتسيلم ان هذه السياسة تعكس ثقافة افلات من العقاب داخل المؤسسة الامنية والعسكرية.
لكن صورة الانتهاكات لا تقتصر على السجون ومراكز الاحتجاز، بل تمتد الى الاراضي الفلسطينية المحتلة ذاتها حيث يتواصل التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة وسط اتهامات لشركات دولية بالمساهمة غير المباشرة في ترسيخ هذا الواقع.
وكشفت غارديان عن ادراج منازل وشقق داخل مستوطنات اسرائيلية مقامة على اراض فلسطينية محتلة ضمن عروض الايجار على منصة بوكنغ دوت كوم السياحية العالمية.
وفي تقرير اخر نشرته غارديان ايضا، كشفت الصحيفة عن ادراج منازل وشقق داخل مستوطنات اسرائيلية مقامة على اراض فلسطينية محتلة ضمن عروض الايجار على منصة بوكنغ دوت كوم السياحية العالمية.
وركز التحقيق على قصة الفلسطيني محمد الصبيح من بلدة الخضر قرب بيت لحم الذي يقول ان اراضي عائلته الزراعية صودرت منذ ثمانينيات القرن الماضي بحجة الضرورات الامنية قبل ان تتحول لاحقا الى جزء من مستوطنة نيفي دانيال الاسرائيلية.
ويقول الصبيح ان اكثر ما صدمه لم يكن فقط فقدان الارض بل رؤيتها اليوم معروضة للسياح على منصات عالمية باعتبارها موقعا مثاليا للاسترخاء والاستمتاع بالطبيعة.
واضاف للصحيفة ان الامر يشبه السرقة معتبرا ان تسويق الاراضي المصادرة سياحيا يمثل شكلا اخر من اشكال تكريس الاحتلال.
وبحسب تقرير لمجموعة ايكو الامريكية المعنية بمساءلة الشركات فان منصة بوكنغ دوت كوم تعرض عشرات العقارات داخل مستوطنات اسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية رغم اعتبار هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي واتفاقيات جنيف.
كما اشار التقرير الى ان محكمة العدل الدولية كانت قد اكدت في راي استشاري صدر عام 2024 عدم شرعية المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة داعية الدول والشركات الى عدم الاعتراف بالوضع الناتج عنها.
ورغم ذلك تواصل شركات سياحية عالمية بينها بوكنغ دوت كوم واير بي ان بي عرض عقارات داخل تلك المستوطنات مع الاكتفاء احيانا بتحذيرات صغيرة تشير الى ان المنطقة متاثرة بالنزاع من دون الاشارة الواضحة الى وضعها القانوني.
وفي القدس تبدو ملامح التحول السياسي والاجتماعي داخل اسرائيل اكثر وضوحا مع تصاعد نفوذ التيارات القومية والدينية المتشددة وهو ما انعكس بصورة لافتة خلال فعاليات يوم القدس الاخيرة.
وفي تقرير نشرته صحيفة تلغراف البريطانية تحدث مراسلها في القدس هنري بودكين عن اعتداءات نفذها شبان ومراهقون اسرائيليون ضد فلسطينيين ومحال تجارية في البلدة القديمة بالقدس وسط هتافات عنصرية وتحريضية.
واشار التقرير الى ان مجموعات من الفتية اليهود المتطرفين هاجمت متجرا فلسطينيا وحطمت محتوياته فيما شهدت شوارع القدس القديمة عمليات مضايقة واعتداء على فلسطينيين وسكان محليين كما ردد بعض المشاركين شعارات تدعو الى حرق القرى العربية وتصف العرب بعبارات مهينة.
ويرى مراقبون بحسب الصحيفة ان هذه المظاهر تعكس تنامي نفوذ التيارات القومية المتشددة داخل المجتمع الاسرائيلي خصوصا مع اعتماد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بصورة متزايدة على الاحزاب الدينية والقومية للحفاظ على بقائه السياسي.
وتشير الصحيفة الى ان شخصيات متشددة مثل وزير الامن القومي ايتمار بن غفير اصبحت تمثل ثقلا متناميا داخل المشهد السياسي الاسرائيلي في وقت تتراجع فيه الاصوات الداعية الى التسوية السياسية او حل الدولتين.
وبينما تتواصل الحرب والانقسامات السياسية داخل اسرائيل يرى حقوقيون ان الخطر الاكبر يكمن في تحول هذه الممارسات الى واقع اعتيادي يجري التعامل معه بوصفه جزءا طبيعيا من المشهد اليومي سواء تعلق الامر بانتهاكات السجون او مصادرة الاراضي او الاعتداءات ضد الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية.
وفي ظل غياب اي افق سياسي واضح وتراجع الضغوط الدولية الفاعلة تبدو معاناة الفلسطينيين مرشحة للاستمرار فيما تتزايد التحذيرات من ان تجاهل هذه الانتهاكات لن يؤدي فقط الى تعميق الازمة الانسانية بل الى ترسيخ واقع طويل الامد يقوم على القوة والهيمنة وحرمان الفلسطينيين من ابسط حقوقهم الاساسية.







