من يافا الى غزة.. حكايات الخيام تجدد وجع النكبة في فلسطين

غزة اليوم تشهد فصلا جديدا من فصول النكبة المستمرة، حيث يروي الحاج التسعيني محمد مدوخ، الذي عايش النكبتين، تفاصيل النزوح المرير من يافا عام 1948، وكيف يواجه اليوم الإبادة في غزة، متمسكا بذاكرة تمتد لـ78 عاما.
يجلس مدوخ في فناء منزله، مستعيدا ذكريات النكبة الأولى، ويقول بحسرة: "والله لو صمدنا يومها، لكنت قاعدا الان على شط عروس البحر، وما صار فينا كل هالشتات".
واضاف ان تفاصيل الاول من مايو/ايار 1948 لا تفارق ذاكرته، حيث بدات يافا تتهاوى تحت القصف، وتذكر مشاهد ارتباك الناس وازدحام الطرق بالهاربين، ومحاولة والده المستميتة لايجاد مكان على السفن المهاجرة.
وبين ان والده فشل في ذلك، وسار مع والديه واشقائه العشرة 4 ساعات متواصلة وصولا لغزة.
ترن في اذنيه كلمات والده لامه لحظة الخروج: "غيار واحد لكل ولد، ان شاء الله كم يوم وحنرجع"، ويصمت قليلا قبل ان يكمل: "من يومها ما رجعنا، وكانت تلك اللحظة هي بداية المنفى الطويل".
وسالت الجزيرة نت مدوخ: "اي النكبتين اقسى واشد؟"، فاجاب دون تفكير: "والله، الذي صار بالـ48 لا يساوي شيئا امام ما عشناه في الابادة الاخيرة، فالنكبة الجديدة جمعت كل وجوه الفزع في لحظة واحدة".
واكد انه رغم ذلك لم يغادر ابو مروان غزة خلال الحرب الاخيرة، معللا ذلك: "ما نزحت من غزة ابدا، فالمؤمن لا يلدغ (من جحر) مرتين".
ويستذكر مدوخ جمال يافا، فتثور ذاكرته ويتنقل فيها بين طفولته، وبيته الذي لا يبعد سوى خطوات عن الشاطئ، وصيد الصباح الذي تتقاسمه العائلات، ومقهى والده ليلا وعزف العود وتجمعات المخاتير فيه.
وبين يافا وقرية الجية التي صودرت بعد يافا بايام، تبدو الذاكرة الفلسطينية من حديد، فيعود اليها المسن عطية الطيبي الذي لقي المصير نفسه من النكبتين.
ففي الخيمة ذاتها التي باتت مسكنا له، تلك التي قذف اليها طفلا عام 1948، والثانية التي يقيم فيها اليوم كهلا بقدم واحدة وبعينين اطفات الابادة نورهما، يتكرر المشهد ذاته، مشهد جديد قديم، لم يستطع ان يخفي فيه ارتباك البدايات في حديثه مع الجزيرة نت.
وقال بصوت رجل راى فلسطين قبل ان تكسر مرتين: "كانت عيشة خيالية، كنا مبسوطين، والدنيا فيها بركة".
ويفسر رغد العيش الذي بددته الاحتلال الاسرائيلي: "كانت لدينا حظيرة فيها جمال واغنام، وكنت ارعى الغنم رغم صغر سني، وكنا نبيع جبنا لا يوجد مثله في الدنيا"، ويبتسم وهو يضيء المشاهد في ظلمة عينيه، ثم يكمل: "انظري اين نحن اليوم".
فبينما اخذت نكبة الـ48 منه بيته وقريته، اخذت الثانية من جسده وشقاء عمره الذي امتد سبعين عاما ثم تبخر في لحظة واحدة.
ولا يبدو الحاج عطية حالة فردية، فالخيمة ليست حكاية قديمة لاجيال مضت، بل مصيرا حتميا لكل عائلة تجبر على البدء من الصفر.
وفي احدى هذه الخيام، ترفض السيدة هالة شبات الاستسلام للواقع البائس، وتقف في مواجهة نكبة تتكرر، وتعيد صياغة تفاصيل الحياة من حطامها، حيث احالت خيمتها لوحة فريدة تاثر العابر اليها.
فقد جعلت هالة مع زوجها من الكرتون ارففا للملابس، ومن اكياس الرمل صنعوا مقاعد، ومن بقايا المعلبات طاولة، ومن التنك خزائن للمطبخ، وحتى سرير طفلها الاصغر الذي انجبته داخل الخيمة مصنوع من الانابيب البلاستيكية "البرابيش".
وحول الخيمة زرعت شتلات صغيرة، ونصبت ستائر تفصل المطبخ عن القعدة العربية المتواضعة، وصنعت حيزا ضيقا للخصوصية.
فمنذ ان سقط بيتها متعدد الطبقات في بيت حانون، بعدما بنته مع زوجها خلال 10 سنوات من الاقتطاع والحرمان، وجدت نفسها على الرصيف منذ اكتوبر/تشرين الاول 2023، تتنقل بين طبقات من الغبار، وتحاول ان تنقذ ما يمكن انقاذه من حياة تهشم شكلها.
وتقول هالة ان اصعب ما في الخيمة ليس البرد ولا الجوع، بل ضياع الخصوصية، حيث تنام مع اولادها الستة في ذات الخيمة، يبدلون فيها ملابسهم، ويعيشون في مساحة واحدة.
ومنذ اعوام تتبع الروتين ذاته حيث تستيقظ كل صباح لتكنس الرمال، وتغسل وتعجن وتخبز على النار تحت شمس لافحة ودخان يخنق الصدر، ورغم هذا كله لم تياس.
وتضيف: "انا عندي عناد وارادة"، حيث ترى في كل قطعة اثاث صنعتها من المخلفات محاولة لحماية اطفالها من الانهيار، وفي كل ترتيب للمكان محاولة لاستعادة بيت احلامها الذي خسرته.
وبينما تعيد هالة ترتيب خيمتها التي تراها ماوى اجباريا لمن لا ماوى له، يصبح معنى الخيمة اكبر من حدود تجربتها الفردية، فهي في عين المؤرخين رمز للحظة انكسر فيها عالم الفلسطيني القديم، وشاهد صارخ على الجريمة التي ما زالت تتكرر.
ويقول رئيس قسم التاريخ في جامعة الاقصى نسيم ابو شلوف: "حين نصبت خيام عام 1948 لاول مرة، لم تفهم بوصفها ماوى مؤقتا، بل كصدمة وجودية دهمت الفلسطينيين، حيث استبدلت بيوتهم بماو من اقمشة، واقتلعت الاف العائلات من جذورها لتجد نفسها في فضاء بلا زمن ولا سقف".
واضاف ان خيام غزة اليوم اشد قسوة واكثر انكشافا من خيام 1948، فهي تقام داخل الحرب لا بعدها، وفي رقعة محاصرة لا تشبه مخيمات اللجوء القديمة، فوق ارصفة مهدمة وملكيات خاصة تحولت فجاة الى مخيمات.
ويعقب ابو شلوف بان ما يلفت في خيام غزة اليوم هو دور النساء في تحويلها من فضاء للهشاشة الى فضاء للحياة، رغم انهيار كل بنية حولهن، وهو يرى في ذلك امتدادا طبيعيا لذاكرة الفلسطيني التي ترفض الاستسلام للمأساة، وتحول المؤقت المهين الى بيت كانه وثيقة مقاومة.
ويختم بالقول ان الخيمة، بعد 78 عاما على النكبة، لا تزال الصورة الاكثر التصاقا بمصير الفلسطيني، حيث تعود الخيمة كبرهان حي على ان النكبة زمن لم ينته.
وتشير تقديرات الامم المتحدة الى ان نحو مليوني فلسطيني في غزة نزحوا من منازلهم، فيما تجاوز عدد الخيام التي دخلت القطاع منذ بدء الحرب 100 الف خيمة، الا ان جزءا كبيرا منها تضرر او لا يصلح للاستخدام طويل الامد، ما يبقي اكثر من مليون شخص في حاجة الى ماوى اضافي.
ووفقا لاخر تحديثات الامم المتحدة الصادرة بين يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2026، يقدر عدد النازحين في قطاع غزة بنحو 1.7 الى 1.9 مليون شخص.







