اكتشاف خريطة النكهات كيف تشكل تجارب طفلك الغذائية مستقبله

عندما يبلغ طفلك ستة اشهر يبدا فصل جديد من رحلة نموه واستقلاله حيث ينطلق في استكشاف عالم النكهات والمذاقات المتنوعة.
وتمتد هذه المرحلة المحورية من الشهر السادس حتى نهاية العام الاول حيث تتشكل علاقة الطفل بالطعام وتتطور ذائقته ففي هذه الفترة لا يتعلم الطفل مهارات الاكل فحسب بل يرسم دماغه خريطة ذهنية تحدد تفضيلاته الغذائية لسنوات قادمة.
لذا فان ما يقدم للطفل ليس مجرد وجبة عابرة بل استثمار مبكر في صحته وعاداته الغذائية المستقبلية التي ستؤثر في طريقة تعامله مع الطعام مدى الحياة.
ووفقا لتوصيات منظمة الصحة العالمية والاكاديمية الامريكية لطب الاطفال يوصى بادخال الاطعمة التكميلية عند بلوغ الطفل شهره السادس وذلك لسببين رئيسيين.
اولا حليب الام وحده لا يكفي لتلبية احتياجات الطفل الغذائية المتزايدة في هذه المرحلة. وثانيا يكون الجهاز الهضمي قد اكتمل نموه بما يكفي لاستقبال الاطعمة الصلبة والمهروسة.
ولكن ما يغيب عن اذهان الكثير من الاباء هو ان هذه المرحلة تتجاوز مجرد التغذية ففي كل وجبة يكتشف الطفل عالما جديدا من المذاق والملمس والرائحة.
وتعد هذه الفترة حاسمة في تقبل الطفل للطعام والنكهات حيث يكون اكثر استعدادا لتجربة اطعمة جديدة وتكوين تفضيلاته الغذائية وكلما تعرض لتنوع اكبر من الاطعمة خلال هذه المرحلة زادت فرص تقبله لها لاحقا.
واكدت مراجعة علمية اجريت في كلية علم النفس بجامعة برمنجهام البريطانية ونشرت عام 2017 في مجلة كرنت نيوتريشن ريبورتس ان الخبرات الغذائية المبكرة تلعب دورا اساسيا في تشكيل الذائقة وان تنوع النكهات والقوام منذ بداية ادخال الطعام يعزز قبول الاطعمة مستقبلا.
وبينت الدراسة ان التكرار المحدود لوجبات معينة يزيد من احتمالات الانتقائية الغذائية ورغم ذلك يقع الكثير من الاهل في خطا شائع يتمثل في تكرار الوجبة نفسها التي يتقبلها الطفل بسهولة مما يحد من فرصه في استكشاف نكهات جديدة.
واشارت الدراسات الى ان اطعام الاطفال في هذا العمر قد يكون مرهقا ولكن توقف الوالدين عن تقديم صنف معين بمجرد رفض الطفل له في المرة الاولى يعد خطا فادحا فالطفل قد يحتاج الى ما بين 8 و15 محاولة قبل ان يبدا في تقبل الطعام.
فالتعرض المتكرر يجعل النكهة مالوفة ومع الالفة يتكون شعور بالامان يدفع الطفل للتجربة من جديد لذلك لا يكمن الحل في الالحاح او الاجبار بل في الصبر وتكرار تقديم الوجبة بهدوء وعلى فترات متباعدة دون ضغط.
واظهرت دراسة فرنسية اجريت عام 2013 في مركز انرا لعلوم التذوق والتغذية بجامعة بورغون الفرنسية ان استهلاك هريسة الخرشوف ارتفع بنسبة 63% بعد تكرار تقديمها للاطفال كما زاد تقبل الطعم والاعجاب به بشكل ملحوظ.
وتؤكد هذه النتائج ان التعرض المتكرر خلال مرحلة ادخال الطعام يعد العامل الاكثر تاثيرا في بناء تقبل الطفل للاطعمة وان التنوع مع التكرار المنظم يساهمان في تشكيل عادات غذائية صحية تدوم على المدى الطويل.
والتغذية في هذه المرحلة لا تقتصر على النكهات بل تشمل ايضا تدرج القوام الذي يبدا من الاطعمة المهروسة تماما عند عمر 6 اشهر ثم الانتقال تدريجيا الى قطع صغيرة طرية يمكن للطفل امساكها عند حوالي 8 اشهر وصولا الى مشاركة طعام الاسرة مع تعديلات بسيطة في القوام والملوحة عند عمر السنة.
وهذا التدرج يساهم في تطوير مهارات المضغ والتنسيق بين اليد والفم ويعزز استقلالية الطفل اثناء الاكل كما ان تمكينه من تناول الطعام بنفسه يمنحه شعورا بالانجاز وينمي مهاراته الحركية الدقيقة.
ويعتبر الانتباه الى اشارات الطفل عند الجوع والشبع والاستجابة لها دون اجبار من اهم اسس بناء علاقة صحية مع الطعام فعندما يظهر الطفل علامات الشبع مثل اغلاق فمه او ادارة وجهه ينبغي التوقف عن الاطعام بدلا من الضغط عليه لانهاء الوجبة.
فاجبار الطفل على الاكل رغم اكتفائه قد يرسخ لديه بشكل غير واع فكرة ان الطعام واجب لا متعة وهو ما يرتبط لاحقا بانماط اكل غير صحية وزيادة خطر السمنة لذلك توصي الارشادات باتباع اسلوب التغذية التفاعلية القائم على مراقبة اشارات الطفل وتشجيعه بلطف دون ضغط.
وهذا النهج يساعد الطفل على تعلم الاصغاء لجسده والتوقف عند الشعور بالشبع ما يعزز قدرته الذاتية على تنظيم شهيته وهي مهارة نفسية وجسدية اساسية تدعم توازنه الغذائي على المدى الطويل.
وفي هذا العمر يبدا الطفل في ادراك محيطه كما يدرك طعامه فبيئة الوجبة تلعب دورا اساسيا في تشكيل ذاكرة الطفل وعلاقته بالطعام فعندما يتناول الطفل طعامه في اجواء هادئة وبمشاركة افراد الاسرة مع تقليل المشتتات مثل الشاشات تتكون لديه صورة ايجابية عن الاكل كتجربة اجتماعية ممتعة لا مجرد مهمة يومية.
ومن المهم الحذر من استخدام الحلوى كمكافاة على انهاء الطفل لطعامه اذ قد يؤدي ذلك الى نتائج عكسية من خلال ربط الاطعمة الصحية بالشعور بالاجبار وربط الحلويات بالمتعة او الجائزة.
كما ان الاعتماد على الطعام كمكافاة او عقاب قد يخلق ارتباطا عاطفيا غير صحي بالاكل مثل التوتر او الاكل المرتبط بالمشاعر وهو ما ينعكس لاحقا على عادات غذائية غير متوازنة لذلك فان مشاركة الطفل وجبات الاسرة وتركه يختبر الطعام بحرية حتى مع بعض الفوضى يساهم في بناء عادات غذائية مستقرة وايجابية تدوم على المدى الطويل.
وتمثل الفترة بين الشهر السادس والشهر الثالث والعشرين من عمر الطفل مرحلة حاسمة في بناء نمط غذائي صحي طويل المدى فما يتعلمه الطفل في عامه الاول لا يحدد فقط ماذا ياكل اليوم بل يسهم في رسم ملامح علاقته بالطعام وصحته لعقود قادمة والامر لا يتطلب اكثر من وعي وصبر وتنوع فكل ملعقة تقدمها لطفلك بحب وتنوع هي خطوة نحو بناء طفل يحب الاكل الصحي ليس لان احدا اجبره بل لانه تعلم منذ البداية ان يحبه.







