في ذكرى النكبة: مخيم البص يستحضر ألم التهجير ومعاناة مستمرة

بعد مرور 78 عاما على النكبة، لا يزال ألم التهجير يتردد في ذاكرة سكان مخيم البص للاجئين الفلسطينيين في مدينة صور جنوبي لبنان، ورغم الظروف القاسية التي يعيشونها، بما في ذلك التهديدات الإسرائيلية التي تلقي بظلالها على حياتهم وتذكرهم بموجات النزوح الأولى، فإنهم يصرون على الصمود.
وشهد قضاء صور قصص نزوح مؤلمة، حيث دفعت إنذارات الاحتلال أعدادا كبيرة من السكان إلى البحث عن أماكن أكثر أمانا، وتوجهت أعداد من النازحين الجدد إلى مخيم البص، وهم يعانون ظروفا اقتصادية صعبة تجعل استيعابهم هناك تحديا كبيرا نظرا لقلة الموارد.
ويعيش المخيم حالة من التوتر المتصاعد، وتزيد من هذا التوتر أصوات الطائرات المسيرة الإسرائيلية التي تحلق باستمرار فوق المنطقة، ولكن أبناء المخيم يرفضون المغادرة رغم المضايقات الأمنية المستمرة، ويستلهمون قدرتهم على الصمود من أحداث التهجير الأولى التي يجددون تذكرها في كل ذكرى للنكبة.
وتروي إحدى كبيرات السن من المخيم ذكرياتها عن قرى فلسطين بتفاصيلها الكاملة، من مساجد وكنائس وأهازيج أعراس، وتستذكر أنها أجبرت على الخروج من قريتها عام 1948، وهي في عمر الـ13 عاما، ولكنها لا تزال تحفظ القرية "دارا دارا".
وفقدت السيدة والدها وهي طفلة بعمر الثالثة، ثم داست عربة لجيش الاحتلال على أخيها فقتلته وعمره 11 عاما، فتربت يتيمة في كنف جدتها التي رافقتها من صفد إلى طبريا إلى ساحل الجليل.
وتوضح السيدة أن ليلة الخروج من قريتها لا تزال حاضرة في ذاكرتها، حيث قيل لأسرتها وجيرانهم إنهم سيعودون إلى بيوتهم بعد يومين فقط، فتوجهوا جميعا إلى الناقورة قرب الحدود، ولكن قوات الاحتلال طردتهم فورا ووجهتهم نحو مخيمات الرشيدية ومنها إلى البص.
ورغم الذكريات الأليمة، تؤكد السيدة أن حلمها ظل واحدا: "إذا مت أن يدفنوني في فلسطين، وإلا فأنا هنا صامدة"، وبنفس إصرار هذه السيدة، يؤكد أهالي المخيم من الجيل الثاني أن قصص النكبة التي يحفظونها عن ظهر قلب شكلت وجدانهم وأصبحت جزءا من هويتهم.
واكدت ابتسام أحمد الجمل -ابنة السيدة المسنة- أن المخيم يبذل جهدا إنسانيا كبيرا في استقبال النازحين الجدد على الرغم من شح الموارد وانعدام فرص العمل، معبرة عن ألم مضاعف بين ثقل الذاكرة وقسوة الحاضر.
اما الحاج محمد عبد المجيد زيداني (75 عاما) من قرية الدامون في قضاء عكا، فقد ولد في لبنان لأب كان معتقلا في سجن عتليت عامي 1948 و1949، وحين زار قريته عام 1995 لم يجد من "عروس الساحل وبداية الجليل" سوى كومة من الأحجار، فتذكر أبيات الشاعر الذي رثى الدامون: "في وسطها الدامون لؤلؤة.. شعت فأردت دفق أنواري".
وختم زيداني بنداء موجها للعالم بأن ينصف الشعب الفلسطيني ويمكنه من حق العودة "القانوني والمقدس".
ووفق أرقام جهاز الإحصاء الفلسطيني، فإن 957 ألف فلسطيني تم تشريدهم من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في نحو 1300 قرية ومدينة فلسطينية عام 1948 إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، فضلا عن التهجير الداخلي للآلاف منهم داخل الأراضي التي خضعت لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي.
ويشير الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن العصابات الصهيونية ارتكبت أكثر من 70 مجزرة خلال النكبة أسفرت عن استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني، وأقيمت إسرائيل على أكثر من 85% من مساحة فلسطين التاريخية البالغة نحو 27 ألف كيلومتر مربع.







