سيطرة التكنولوجيا تثير الجدل حول قوة الشركات مقابل الدول

في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة والتقدم السريع للذكاء الاصطناعي، يتصاعد النقاش حول النفوذ الكبير الذي تمارسه شركات التكنولوجيا على السياسة والأمن وتدفق المعلومات عالميا.
فتوسع سيطرة هذه الشركات على البنية الرقمية ومنصات التواصل وتقنيات المراقبة والبيانات، جعل التكنولوجيا ليست مجرد أداة اقتصادية أو تقنية، بل عنصرا مؤثرا في تشكيل موازين القوى والصراعات الدولية.
وفي كتابها "الانقلاب التكنولوجي: كيف ننقذ الديمقراطية من وادي السيليكون"، تحذر المؤلفة الهولندية ماريتجه شاكي، المديرة الدولية للسياسات في "ستانفورد سايبر بوليسي سنتر" وعضوة البرلمان الأوروبي السابقة، مما تسميه "الانقلاب التكنولوجي"، مشيرة إلى انتقال تدريجي للسلطة من الحكومات الديمقراطية إلى شركات التكنولوجيا العملاقة، التي يمتد نفوذها إلى مجالات الأمن القومي والجغرافيا السياسية وإدارة المعلومات خلال النزاعات.
ويتزامن هذا النقاش مع تزايد المخاوف بشأن دور التكنولوجيا في الحروب والنزاعات الحديثة، من استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية إلى تقنيات المراقبة والتجسس، وصولا إلى الجدل حول تحكم المنصات الرقمية في السرديات والمعلومات خلال الأزمات الكبرى.
وفي حوار خاص مع الجزيرة نت، تتحدث شاكي عن النفوذ المتنامي لشركات التكنولوجيا، وعلاقة الولايات المتحدة بعمالقة وادي السيليكون، ومستقبل الذكاء الاصطناعي كأداة قوة جيوسياسية، إضافة إلى ضرورة استعادة الحكومات الديمقراطية السيطرة على الفضاء الرقمي.
وقالت شاكي ان نفوذ شركات التكنولوجيا ورؤسائها التنفيذيين والمستثمرين ازداد بشكل كبير في عصر الذكاء الاصطناعي، مع الدعم العميق الذي تتلقاه من إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترمب، وبدلا من أن تكون الحكومة الأمريكية قوة موازنة للنفوذ المتضخم لعمالقة التكنولوجيا، فإنها باتت تتماشى بشكل متزايد مع سياسات مليارديرات التكنولوجيا، مما يجعل شركات التكنولوجيا أداة للهيمنة العالمية.
واضافت شاكي ان كتابها يتناول بشكل موسع برامج التجسس، مثل تلك التي طورتها شركة "إن إس أو" الإسرائيلية، واستخدام التكنولوجيا في انتخابات كينيا وانتهاكات حقوق الإنسان في الصين والرقابة في الهند، كما تناول انتهاكات الحريات المدنية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وبينت شاكي انه مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، ندخل مرحلة يصبح فيها التحكم بالمعلومات وقدرات المراقبة والبنية التحتية الرقمية شكلا من أشكال القوة التي تضاهي القوة العسكرية التقليدية في التأثير على نتائج النزاعات، فالقرارات التي تتخذها هذه الشركات لها تأثير عميق على الجغرافيا السياسية وعلى حياة الناس.
واوضحت شاكي ان إدارة ترمب تريد أن يتبنى العالم الذكاء الاصطناعي وفق مبدأ "أمريكا أولا"، وهي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة للهيمنة والقوة اقتصاديا وجيوسياسيا وعسكريا، وبينما يستخدم البنتاغون الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يسعى بجدية لمحاسبة الشركات، بل يتعامل مع أدواتها باعتبارها وسائل لتعزيز قوة الدولة.
وشددت شاكي على انه من الضروري أن تعمل الحكومات الديمقراطية على تسهيل تطوير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل نطاقها الخاص، بحيث لا تكتفي فقط بتنظيم الشركات، بل تبني أيضا بدائل حقيقية، إضافة إلى ذلك، ينبغي أن تنشئ الدول الديمقراطية تحالفات جديدة تدعم قابلية التوسع والتشغيل البيني ومعايير الحوكمة المشتركة وظروف السوق التي تشجع على ظهور بدائل للمنصات المهيمنة اليوم.
واكدت شاكي على ان الكلمة الأخيرة بشأن الذكاء الاصطناعي لم تحسم بعد، وما يزال بالإمكان ترسيخه بشكل أقوى ضمن منظومة قيمية وتعريف مجتمعي أوسع لمعنى نجاح الذكاء الاصطناعي.







