الكرنب يعود بقوة نجم المطبخ بفوائد صحية وغذائية لا تحصى

في تحول مفاجئ وغير متوقع، يعود الكرنب، ذلك الخضار المتواضع الذي يمتد تاريخه لأكثر من 4000 عام، ليتربع على عرش الموضة الغذائية في عام 2026، متحديا بذلك كل التوقعات التي كانت تشير إلى انزوائه وتراجعه.
الكرنب، أو الملفوف كما يعرفه البعض، ذلك الغذاء الذي لم يلق الاهتمام الكافي في الماضي، يشهد اليوم انتشارا واسعا لوصفاته، مما أدى إلى ارتفاع كبير في مشترياته، حيث بلغت مشتريات الأمريكيين وحدهم من الكرنب المخمر ما يقارب 61 مليار دولار أمريكي بين عامي 2024 و2025، وذلك وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وتزايد إقبال الطهاة في مختلف المطابخ العالمية على استخدام الكرنب، نظرا لتعدد استخداماته، بدءا من سلطة الكرنب وحساء الملفوف، وصولا إلى محشي الكرنب ومخلل الكيمتشي، ليصبح بذلك "بطلا جديدا في المطبخ".
وفاز كتاب الطبخ "كابوستا" (الكرنب بالروسية) للمؤلفة أليسا تيموشكينا بجائزة مرموقة من جوائز كتب الطعام والشراب، وبدأت بيوت أزياء شهيرة تعرض تصاميم مستوحاة من ألوان الكرنب وخصوصا اللون الأخضر.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي مثل "إنستغرام" و"تيك توك" حملات ترويجية واسعة للكرنب ومخللاته، بينما اختار موقع "بنترست" الكرنب كأكثر الخضراوات رواجا لهذا العام، نظرا لفوائده الصحية والاقتصادية، فضلا عن كونه يحمل عبق الماضي.
يؤكد خبراء التغذية أن جميع أنواع الكرنب مفيدة، ويقول نيت وود، مدير قسم الطب الغذائي في كلية الطب بجامعة "ييل" لصحيفة "واشنطن بوست" إن "الكرنب خضار منخفض التكلفة ولذيذ ومغذ، لكنه لم يحظ بالاهتمام الكافي لفترة طويلة"، مشيرا إلى قيمته الغذائية العالية.
ويضيف وود أن معظم ألياف الكرنب هي "ألياف غير قابلة للذوبان، تزيد من حجم الفضلات، مما يساعد على تحفيز حركة الأمعاء للحفاظ على انتظامها، كما أنها تشغل حيزا في المعدة، مما يشعرك بالشبع لفترة أطول".
ويوضح وود أن الكرنب يحتوي أيضا على بعض الألياف القابلة للذوبان التي تتحد مع السوائل لتكوين مادة هلامية داخل الأمعاء، مما يساعد على "خفض الكوليسترول، وتحسين مستوى السكر في الدم، ويعطي شعورا بالشبع".
ويشير وود إلى أن بعض الألياف الموجودة في الكرنب تعتبر من "البريبايوتيك" التي تغذي بكتيريا الأمعاء المفيدة "الميكروبيوم" لتنمو وتتكاثر، وهذا بدوره يساعد في "الحفاظ على بطانة أمعاء صحية تدعم الهضم الجيد، وتعزز المناعة، وتحسن امتصاص المعادن".
وتقول جوليا زومبانو، اختصاصية التغذية المعتمدة على موقع "كليفلاند كلينك" إن الكرنب "قد لا يكون من أكثر الخضراوات جاذبية، لكنه غني بالعناصر الغذائية التي تعزز صحتك وقوتك، وقيمته الغذائية أعلى مما يتوقعه الناس"، موضحة أن الكرنب غني بالألياف والفيتامينات والمعادن، إذ يحتوي كوب واحد من الكرنب النيء والمقطع على 22 سعرا حراريا فقط، ويوفر أكثر من غرامين من الألياف، وغرام واحد من البروتين، و85% من القيمة اليومية الموصى بها لفيتامين كيه (K)، و6% من القيمة اليومية الموصى بها من البوتاسيوم، و36 ملليغراما من فيتامين سي (C)، بالإضافة إلى العديد من العناصر الغذائية الدقيقة المهمة مثل فيتامين بي 6 (B6) وحمض الفوليك.
ويضيف الدكتور وود أن مخلل الكرنب والكيمتشي يعتبران من المصادر الغنية ببكتيريا "البروبيوتيك" المغذية لميكروبيوم الأمعاء، "لذا، فتأثيره إيجابي متكامل، لصالح تقوية جهاز المناعة، وتحسين الهضم، والعديد من الفوائد الصحية الأخرى"، محذرا في الوقت نفسه من يعانون من أعراض هضمية مزعجة بعد تناولهما من "الإفراط فيهما".
وتوضح اختصاصية التغذية المعتمدة آمي شابيرو لمجلة "فوغ" أن الكرنب هو نوع من الخضراوات الورقية الخضراء، ينتمي إلى عائلة أكبر تضم البروكلي والقرنبيط والكرنب الصغير واللفت، "ويشترك معها في العديد من الفوائد"، موضحة أن ما يميز الكرنب عن باقي الخضراوات الورقية أنه "أكثر صلابة، ويدوم لفترة أطول، ويتحمل الطهي والتخليل والتقطيع، لكنه أكثر تنوعا، وأقل حدة في النكهة في مختلف المطابخ"، مما يجعله يستحق مكانا على مائدتك.
وتشير شابيرو إلى أن الكرنب غني بمضادات الأكسدة والمغذيات النباتية التي أظهرت دراسات نشرت عام 2022 قدرتها على "تقليل الالتهابات المرتبطة بأمراض القلب والسرطان والعديد من الحالات الأخرى"، كما أظهرت دراسة صغيرة أخرى أن "أولئك الذين تناولوا كميات أكبر من الخضراوات الورقية كانت لديهم مستويات التهاب أقل بكثير من أولئك الذين تناولوا كميات أقل".
وتبين زومبانو أن الكرنب المنخفض السعرات الحرارية والغني بالألياف غير القابلة للذوبان "يجعلك تشعر بالشبع بسرعة ولمدة أطول، ويساعد على انتظام حركة الأمعاء، مما يدعم فقدان الوزن بطريقة آمنة وصحية"، كما يغذي الكرنب – وخصوصا المخلل منه – البكتيريا النافعة في أمعائك، والمهمة لحماية جهاز المناعة وإنتاج العناصر الغذائية الأساسية.
وتوضح شابيرو أن ما يحتويه الكرنب من مضادات أكسدة تسمى "الأنثوسيانين" يساهم في "تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب"، ووفقا لـ "منشورات هارفارد الصحية"، ربطت دراسات "بين تناول الأنثوسيانين وغيره من المواد الكيميائية النباتية وانخفاض الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية"، بالإضافة إلى دور محتوى الكرنب من البوتاسيوم والألياف في "خفض مستويات الكوليسترول الضار وخفض ضغط الدم المرتفع، وبالتالي تقليل الإصابة بأمراض القلب" بحسب جوليا زومبانو.
وتشير شابيرو إلى أن الملفوف يتميز بانخفاض سعراته الحرارية ونشوياته وغناه بالألياف، "مما يساعد على استقرار مستويات الجلوكوز في الجسم".
وتضيف شابيرو أن الكرنب مصدر غني جدا بفيتامين "كيه" الضروري للحفاظ على قوة عظامنا وتخثر دمنا بشكل جيد.
وتنصح آمي شابيرو من يعانون من حساسية الجهاز الهضمي أو متلازمة القولون العصبي بتوخي الحذر بشأن الكمية التي يتناولونها، حيث إن بعض الألياف الموجودة في الملفوف قد تسبب الانتفاخ والغازات أو أعراض القولون العصبي.
وتنصح جوليا زومبانو بالتعامل مع الكرنب كجزء من نظام غذائي صحي، وعدم الإفراط في تناوله، "لتجنب انتفاخ البطن أو عدم الراحة، وتحسبا من احتوائه على مواد قد تتداخل مع بعض الأدوية (مثل مسيلات الدم)، أو تسبب قصور الغدة الدرقية".







