واشنطن تقود موجة عالمية لتخفيف القيود التنظيمية على البنوك

واشنطن/لندن – بعد مرور سبعة عشر عاماً على الأزمة المالية العالمية التي هزت العالم، يبدو أن البندول التنظيمي بدأ يتأرجح في الاتجاه المعاكس. تقود الولايات المتحدة، ومعها كبرى الاقتصادات الأوروبية، موجة من "التخفيف التنظيمي" تهدف إلى تحرير البنوك من بعض القيود الصارمة التي فُرضت عليها، في خطوة تثير جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت تخدم الاقتصاد أم تمهد الطريق لأزمة مستقبلية.
وتتصدر إدارة الرئيس ترمب هذه الجهود، مقترحةً تدابير لتقليل حجم رأس المال الإلزامي الذي يجب على البنوك الاحتفاظ به. هذه الخطوة أثارت قلق المراقبين من أن واشنطن قد أشعلت شرارة "سباق نحو القاع" على المستوى العالمي، مما قد يقوض اللوائح المصممة لحماية النظام المالي في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن فقاعات الأصول والاستقرار المالي.
"بازل 3": إطار عالمي بتطبيقات محلية
على الورق، تلتزم معظم الدول بإطار "بازل 3" التنظيمي، الذي يضع حداً أدنى لمعايير رأس المال لضمان قدرة البنوك على امتصاص الخسائر. لكن في الواقع، هناك مساحة واسعة للمناورة، حيث أرجأ كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تطبيق أجزاء رئيسية من القواعد، في انتظار ما ستفعله الولايات المتحدة.
ورغم أن نسب رأس المال تبدو متشابهة نظرياً بين الولايات المتحدة وأوروبا (حوالي 11%)، إلا أن طريقة حساب "الأصول المرجحة بالمخاطر" تختلف بشكل كبير. فالبنوك الأميركية، على عكس نظيراتها الأوروبية، لا تستطيع الاعتماد على نماذجها الداخلية لتقييم المخاطر، مما يفرض عليها قيوداً أكثر صرامة في كثير من الأحيان.
واشنطن تضغط لتخفيف القيود
تعمل الهيئات التنظيمية الأميركية التي عينها الرئيس ترمب على مراجعة وإعادة صياغة لوائح رأس المال الحالية، بحجة جعلها أكثر ملاءمة للمخاطر الفعلية. ويقود مجلس الاحتياطي الفيدرالي إصلاحاً شاملاً لـ"اختبارات الضغط" السنوية، وهو تحول من المتوقع أن يقلص بشكل كبير حجم رأس المال الذي يجب على البنوك الاحتفاظ به.
وقدّر محللو "مورغان ستانلي" أن هذه التغييرات قد تحرر ما يصل إلى تريليون دولار من القدرة الإقراضية للبنوك الأميركية. ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة زيادة الإقراض، فقد تفضل البنوك استخدام هذه السيولة لزيادة توزيعات الأرباح أو تمويل عمليات الاستحواذ.
أوروبا واليابان: حذر وترقب
في المقابل، يسعى كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى تخفيف الأعباء، ولكن بحذر ودون الدخول في "سباق نحو التبسيط". فبينما خفض بنك إنجلترا تقديراته لاحتياجات رأس المال، أكد المسؤولون الأوروبيون أن "انخفاض متطلبات رأس المال لا يعني بالضرورة زيادة القدرة التنافسية".
أما اليابان، فقد مضت قدماً في تطبيق إطار "بازل 3" النهائي على بنوكها الكبرى، لتكون من بين الدول القليلة التي التزمت بالجدول الزمني الأصلي.
ويشير الخبراء إلى أن جوهر المسألة لا يكمن فقط في أرقام رأس المال، بل في قوة "إنفاذ الرقابة". ويرى البعض أن التوجه الحالي في الولايات المتحدة يهدف إلى إبعاد الجهات الرقابية عن البنوك، مما يجعل التركيز أقل على القواعد وأكثر على الممارسات الفعلية، وهو ما يعيد إلى الأذهان الأجواء التي سبقت أزمة 2008.







