التسامح مفتاح الصحة النفسية والجسدية: هارفارد تكشف فوائد التخلي عن الضغائن

في حياة كل شخص توجد جراح تتركها مواقف وظروف مختلفة، وقد يرى البعض في التمسك بالغضب نوعا من الحفاظ على الكرامة، لكن الأبحاث العلمية الحديثة كشفت أن الضغائن تثقل الجسد والقلب معا، بينما يمكن للتسامح أن يحسن الصحة النفسية والجسدية.
ورغم أن التسامح يعتبر فضيلة اخلاقية وروحية، إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد أنه عامل مؤثر في صحة الانسان، وليس مجرد قيمة معنوية.
وكشفت دراسة دولية شملت أكثر من 200 ألف شخص في 23 دولة، أجراها باحثون من برنامج "الازدهار الانساني" في كلية "هارفارد تي اتش تشان" للصحة العامة، أن الأشخاص الذين يميلون إلى التسامح يتمتعون بمستويات أعلى من الرفاه النفسي ورضا أكبر في حياتهم، بالإضافة إلى علاقات اجتماعية مستقرة.
وأظهر علماء النفس أن التمسك بالمرارة والضغائن يبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب مستمر، ما يزيد من هرمون التوتر "الكورتيزول" ويرفع ضغط الدم ويسبب تشنج العضلات، ويزيد احتمالات القلق والاكتئاب، ومع مرور الوقت، يتحول الغضب غير المعالج إلى عبء بيولوجي مزمن يؤثر على النوم والمناعة وصحة القلب.
وتبين الأبحاث أن المشكلة ليست في شعور الغضب نفسه، بل في تحوله إلى ضغائن مستمرة ومرارة مزمنة تبقي الجسم في حالة استنفار دائم.
ويشدد الباحثون على أن التسامح لا يعني إنكار الأذى أو التنازل عن الحق، بل هو قرار بالتخلي عن ثقل الغضب والرغبة في الانتقام، وذلك لحماية النفس أولا.
ويوضح عالم النفس الأمريكي فريد لوسكين أن "التسامح هو أن تصنع سلاما مع الأشياء التي لم تجر كما أردتها"، أي أن تتقبل الجراح التي وقعت بالفعل، وأن الاستمرار في اجترارها لن يغير الماضي بل يفسد الحاضر.
ومن هذا المنطلق، يعتبر التسامح فعل عناية بالذات ومحاولة لوقف النزيف الداخلي.
والمفاجئ أن علماء النفس يعتبرون التسامح مهارة قابلة للتعلم والتدريب، وليست صفة فطرية فقط.
وفي برامج علاجية طورتها جامعة ستانفورد، أظهرت تدخلات منظمة لتعليم التسامح قدرة على خفض مستويات الاكتئاب وتقليل التوتر وزيادة الأمل لدى المشاركين، وتبدأ هذه البرامج غالبا من الاعتراف بالألم ثم إعادة تفسير الحدث المؤلم ومحاولة فهم دوافع الطرف الآخر، وصولا إلى تحرير الذات من سجن الغضب.
ومن بين الأساليب العلاجية المستخدمة ما يعرف بـ"الكرسي الفارغ"، حيث يتخيل الشخص أنه يواجه من آذاه، فيعبر عن مشاعره المكبوتة، ثم ينتقل لمحاولة فهم الخلفيات النفسية أو الظروف التي صنعت ذلك الأذى.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه العملية لا تمحو الذاكرة، لكنها تخفف وطأة الألم وتسمح برؤية أوسع من مجرد دور "الضحية" و"الجلاد" الثابتين.
والجدير بالذكر أن بعض العلماء بدأوا ينظرون إلى نشر ثقافة التسامح كأداة للصحة العامة، فإذا كان الغضب المزمن يرفع التوتر ويزيد العزلة ويغذي الانقسامات، فإن تعليم الناس كيف يفرجون عن مشاعر المرارة قد يسهم في بناء مجتمعات أكثر هدوءا وتماسكا.
لهذا تطرح دراسات حديثة إدماج مفاهيم التسامح في المناهج التعليمية وحملات التوعية وبرامج الدعم النفسي المجتمعي، بوصفها استثمارا طويل الأمد في الصحة النفسية والجسدية.
وفي النهاية، قد لا يكون التسامح هدية نقدمها لمن أخطأ في حقنا، بقدر ما هو هدية نمنحها لأنفسنا، تخفيفا لعبء ينهك القلب والعقل بصمت، وفي عالم يزداد توترا، ربما يصبح التخلي عن الضغائن أحد أبسط أشكال النجاة وأقصر الطرق إلى قدر من السلام الداخلي.







