استراتيجية اسرائيلية جديدة.. كيف يتم تبرير الدمار في غزة ولبنان؟

لم تعد مشاهد الدمار في غزة وجنوب لبنان مجرد توثيق مرئي لنتائج العمليات العسكرية الاسرائيلية منذ عام 2023، بل تحولت الى مادة يعاد تدويرها ضمن قوالب سردية سريعة الانتشار، تتصدرها تقنية المقارنة بين حالتي "قبل وبعد".
ولطالما اعتمدت اسرائيل خلال الاعوام الثلاثة الماضية على هذه الطريقة التي تحمل قوة اختزالية تفتح المجال امام استخدام انتقائي او حتى مضلل للمواد البصرية، والهدف هو التنصل من المسؤولية والقاء اللوم على الخصوم.
تعتمد الحملة الاسرائيلية على منطق "الصدمة البصرية"، وهو اسلوب يدفع الجمهور الى استجابة عاطفية فورية، سواء كانت تعاطفا او غضبا او ادانة.
وهكذا ينخرط ناشطون اسرائيليون وحسابات معروفة بصلاتها بالحكومة الاسرائيلية في نشر صورتين متجاورتين من لبنان وغزة، الاولى تظهر حياة طبيعية بمبان قائمة وشوارع مأهولة وحقول زراعية، والثانية تعرض دمارا واسعا او انقاضا او تغييرات جذرية في البنية العمرانية.
هذا النمط البصري يضع صورتين متقابلتين للمكان ذاته في زمنين مختلفين، ويختصر مسارا معقدا من الاحداث في لحظة صادمة، ويمنح المتلقي احساسا فوريا بحجم التحول والدمار دون الحاجة الى شرح او سياق موسع عن المسؤول او المتسبب.
ولحبك السردية بشكل اعمق يرافق هذا التباين والصور المنشورة تعليق مقتضب من سطر واحد: "هذا ما تبدو عليه انتصارات حماس"، او "حزب الله دمر لبنان".
وبهذه البساطة يختزل مشهد معقد من الحرب في معادلة دعائية جاهزة، تقدم الدمار بوصفه نتيجة "منطقية" لقرارات الطرف الاخر -حماس وحزب الله- في هذه الحالة، لا نتيجة مباشرة للعمليات العسكرية الاسرائيلية.
وفي هذا التحليل رصدت وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة حملة اسرائيلية منظمة تهدف لاعادة توظيف صور الدمار في غزة ولبنان ضمن سردية تبريرية تحمل الضحية مسؤولية ما جرى.
تقرا صور الدمار عادة بوصفها مؤشرا على حجم القوة المستخدمة وكلفة العمليات العسكرية على الانسان والعمران، اما في الخطاب الاسرائيلي فيجري قلب الدلالة حيث يتحول الدمار من نتيجة الى "دليل ادانة" موجه ضد من لحق به الاثر.
وبينما يقدم مشهد "قبل" بوصفه صورة لحالة مستقرة وطبيعية يعاد تاطير مشهد "بعد" باعتباره نتيجة حتمية لقرار سياسي او عسكري من حماس او حزب الله، وبهذا يدفع المتلقي الى تبني سردية اختزالية حادة تقوم على معادلة واحدة: "هم بداوا – وهم دمروا" على حد مزاعمهم.
هذا النمط يتجاهل عمدا اي نقاش حول طبيعة الاستهداف او حجم الخسائر المدنية او قواعد الاشتباك، ويركز فقط على "السبب الاولي" كما يقدم في النص المرافق للصورة.
الالية هنا تقوم على ما يمكن وصفه بـ "اسناد المسؤولية بالتسلسل السردي"، حيث ينسب الدمار بالكامل الى الطرف المذكور في الوصف بغض النظر عن الفاعل الفعلي.
في غزة خاصة خلال 2023-2024 استخدم هذا النمط بكثافة في مناطق مثل جباليا ورفح وبيت حانون، مع ربط مباشر بين الدمار وقرار حماس في 7 اكتوبر/تشرين الاول.
لاحقا ومع تصاعد التوترات في جنوب لبنان (2024) نقل القالب نفسه حرفيا الى قرى حدودية مثل عيتا الشعب وراميا في جنوب لبنان.
المشهد البصري لم يتغير ولا الصياغة، فقط اسم الموقع والجهة المستهدفة.
هذا الانتقال السلس بين الجبهات يكشف ان ما يجري اسرائيليا ليس تفاعلا عفويا مع الاحداث، بل استخدام لقالب جاهز يعاد نشره وتكييفه بسرعة مع اي ساحة جديدة.
التحليل يظهر ان البنية البصرية والنصية نفسها تتكرر بشكل شبه حرفي عبر مئات المنشورات، صورة "قبل/بعد"، خط فاصل واضح، تعليق قصير يحمل اتهاما مباشرا سواء لحماس او حزب الله.
هذا القالب لم يستخدم فقط في غزة ولبنان بل ظهر ايضا في سياقات اخرى مثل اليمن وايران، مع تغيير بسيط في النص والحفاظ على الرسالة الاساسية.
اعادة التدوير هذه تعني ان الجهد لا يبذل في بناء رواية جديدة، بل في اعادة ضخ الرواية نفسها بصيغ مختلفة مما يعزز انتشارها وسرعة تداولها.
لا تقف هذه الحملة عند حسابات مجهولة بل تقودها شبكة من حسابات مؤثرة ابرزها:
الصحفي والناشط الاسرائيلي يوسف حداد الذي يقدم نفسه صوتا عربيا مما يمنح المحتوى غطاء "تمثيليا" يعزز مصداقيته لدى الجمهور العربي والغربي.
حساب الناشط والصحفي الاسرائيلي حنينة نفتالي يقدم بدوره النموذج الاكثر وضوحا لهذا القالب منذ بداية الحرب.
حساب (Visegrad 24) وهو حساب اخباري يلعب دورا محوريا في تضخيم هذا المحتوى خارج الدوائر الاسرائيلية.
وبحسب ما كشفته تقارير وتحقيقات دولية فقد جرى توظيف محتوى بعض هذه الحسابات ضمن حملات رقمية ممولة، ما يشير الى وجود استخدام منظم لهذا الخطاب داخل منظومة دعائية اوسع.
المعطيات المتاحة تشير الى نمط واضح من التنسيق السردي يتجلى في تكرار نفس القالب البصري والنصي عبر حسابات متعددة، تضخيم متبادل بين مؤثرين ومنصات اعلامية، توحيد الرسالة رغم اختلاف الجهات الناشرة، سرعة نقل القالب بين ساحات مختلفة دون تعديل جوهري.
ورغم عدم توفر ادلة قاطعة على ادارة مركزية مباشرة لكل الحسابات الا ان هذا التماسك في الرسائل يشير الى منظومة دعائية تعمل باهداف مشتركة.
الهدف النهائي لهذا النمط يتجاوز مجرد التاثير البصري وهو يعمل على اعادة صياغة موقع الضحية في السردية.
وبدل ان تعرض اسرائيل كطرف يملك تفوقا عسكريا وينتج الدمار تعاد صياغتها كطرف "يدافع عن نفسه" بينما يقدم الطرف الاخر كمن "تسبب بتدمير نفسه".
بهذا يتحول الدمار من نتيجة يجب مساءلة من تسبب بها الى اداة اتهام ضد من وقع عليه.







