أسواق السندات الآسيوية تسجل أرقام قياسية رغم التوترات الجيوسياسية

تجاهلت أسواق السندات المحلية في آسيا التأثيرات الناتجة عن النزاعات في الشرق الأوسط، وسجلت إصدارات قياسية في كل من هونغ كونغ وأستراليا منذ بداية العام. يأتي ذلك في ظل توجه متزايد من المستثمرين نحو تنويع مصادر التمويل بعيدا عن الدين المقوم بالدولار الأمريكي.
وارتفعت إصدارات سندات الدولار في هونغ كونغ هذه السنة بشكل ملحوظ، حيث سجلت نموا بنسبة 17 في المائة، لتصل إلى 14.8 مليار دولار. بحسب بيانات مجموعة بورصة لندن، تعد هذه البداية الأقوى في تاريخ السوق. كما زادت إصدارات سندات الدولار الأسترالي إلى 143 مليار دولار أسترالي، محققة زيادة تقارب 30 في المائة، وهو رقم قياسي جديد وفق بيانات «ديلوجيك».
وشهدت إصدارات سندات الدولار السنغافوري ارتفاعا بنسبة 3.7 في المائة، لتصل إلى 5.56 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لها منذ 12 سنة، كما أفادت «رويترز».
وأكد كليفورد لي، الرئيس العالمي للخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك «دي بي إس»، أن الطلب المتزايد على العملات المحلية مثل الدولار السنغافوري واليوان الصيني والدولار الأسترالي يعكس رغبة واضحة من المستثمرين لتنويع محافظهم وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. موضحا أن ذلك يأتي في ظل توقعات باستمرار قوة العملات الإقليمية.
ويعكس النشاط القياسي في أسواق الدين المحلية في آسيا استمرار شهية المستثمرين للأصول الإقليمية، على الرغم من التوترات الجيوسياسية. كما يشير إلى تحول تدريجي في استراتيجيات التمويل بعيدا عن الدولار الأمريكي.
ولا تزال سندات الدولار تهيمن على السوق الآسيوية، حيث ارتفع إصدارها منذ بداية العام بنسبة 2.5 في المائة، ليصل إلى 132.6 مليار دولار، وفق بيانات «ديلوجيك».
في هونغ كونغ، حيث ترتبط العملة المحلية بالدولار الأمريكي ولكن تكاليف الاقتراض أقل نسبيا، جاء الأداء القوي مدفوعا بسلسلة من الصفقات الضخمة. فقد جمعت ثلاث إصدارات خلال الأسبوع الماضي نحو 42 مليار دولار هونغ كونغ (5.4 مليار دولار أمريكي)، بما في ذلك إصدار هيئة مطار هونغ كونغ بقيمة 19 مليار دولار هونغ كونغ وإصدار شركة «مترو هونغ كونغ» بقيمة 18.9 مليار دولار هونغ كونغ، مع طلبات اكتتاب تجاوزت 60 مليار دولار هونغ كونغ.
كما تمكنت شركة «كاثي باسيفيك» من جمع 2.08 مليار دولار هونغ كونغ في أول إصدار سندات عامة لها بالدولار المحلي، مما يدل على ثقة المستثمرين رغم التحديات التي يواجهها قطاع الطيران.
وأوضحت شيشي صن، رئيسة قسم أسواق الدين في الصين الكبرى لدى «سيتي غروب»، أن الزخم القوي في سوق سندات الدولار في هونغ كونغ يعود إلى الطلب المرتفع من المستثمرين وندرة الأصول عالية الجودة، بالإضافة إلى محدودية الإصدارات المتاحة أمام البنوك لتوظيف السيولة.
وأشار مصرفيون إلى أن هذا الاتجاه يعكس تحولا هيكليا أوسع، مع دخول مستثمرين غير تقليديين من هونغ كونغ ولندن إلى سوق الدولار السنغافوري، وبدء شركات التأمين في هونغ كونغ بشراء هذه السندات، مما يعد تغييرا لافتا في الأنماط الاستثمارية التقليدية.
وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن أن أحجام التداول في أسواق العملات المحلية في منطقة آسيا والمحيط الهادي تجاوزت 1.37 تريليون دولار منذ بداية العام، في طريقها لتحقيق مستوى قياسي جديد بعد بلوغها 4.76 تريليون دولار في السنوات الماضية.
وقالت جيني لي، رئيسة التمويل وإدارة الصناديق في شركة «أشهورست»، إن هذا التوجه يتجاوز مجرد الاستفادة من الفرص، ليعكس تحولا أعمق في استراتيجيات الاستثمار.
وأضافت أن السندات الآسيوية تفوقت على العديد من أسواق السندات المتقدمة، مشيرة إلى أن التنويع بات يشمل الجغرافيا والعملات في آن واحد.
رغم التوترات في الشرق الأوسط التي أثرت على النشاط بشكل مؤقت، إلا أن السوق استعاد زخمها بسرعة. وأوضح صامويل تان، رئيس الخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك «يونايتد أوفرسيز»، أن إصدارات السندات في جنوب شرقي آسيا انتعشت بعد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه حذر من أن نافذة الإصدار قد تبقى متقلبة على المدى القصير.
من جهة أخرى، أبدى كليفورد لي نظرة أكثر تفاؤلا، مشيرا إلى أن تأثيرات الصراع في الشرق الأوسط كانت أقل حدة من التوقعات وأن السوق لا تزال نشطة وجاذبة حتى للمصدرين ذوي التصنيف غير الاستثماري.
ومع ذلك، تبقى الانتقائية حاضرة بقوة في قرارات المستثمرين. وذكرت كايلي سوه، مديرة المحافظ في شركة فولرتون لإدارة الصناديق، أن الشركة تركز على الفرص ذات الجودة العالية في أسواق العملات المحلية، مع تخصيص انتقائي للدولار الأسترالي لتحقيق عائدات، والدولار السنغافوري للاستفادة من العوامل الفنية، واليوان الصيني للاستقرار النسبي.
وأضافت أن الأفضلية تبقى للمصدرين ذوي التصنيف الائتماني المرتفع والشركات الكبرى ذات الأهمية الاستراتيجية، في حين يتجنب المستثمرون الأصول الأضعف والأكثر تقلبا.







