"لجان لحل مشاكل اللجان".. كيف غرقت ليبيا في متاهة البيروقراطية؟

طرابلس – في المشهد الليبي المعقد، أصبحت عبارة "تم تشكيل لجنة" تحمل من السخرية أكثر مما تحمل من الأمل. فمن لجان "المصالحة الوطنية" و"تقصي الحقائق"، إلى لجان "الحوار المهيكل" و"الوساطة القضائية"، تدور ليبيا في دوامة لا تنتهي من الكيانات التي يُفترض بها أن ترأب الصدع، لكنها غالباً ما تصبح جزءاً من المشكلة، أو في أحسن الأحوال، مجرد أداة لتأجيلها.
هذه الظاهرة، التي يصفها الليبيون بـ"توالد اللجان"، تحولت إلى ما يشبه "الحلقة المفرغة" التي تعكس حالة الإفلاس السياسي وتعمق الانقسام بدلاً من حله. وكما يقول الصحفي الليبي أكرم النجار ساخراً: "عندما يسمع المواطن في ليبيا جملة (تم تشكيل لجنة)، يعلم حينها أن الأمر انتهى وأصبح من الماضي".
وتحتل لجنة "المصالحة الوطنية"، التي أطلقها المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي منذ عام 2021، صدارة المشهد. ورغم الاجتماعات المتكررة بحضور الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لا يزال هذا الملف يراوح مكانه، شاهداً على أن "الإرادة الصادقة والتنازلات الشجاعة" التي دعا إليها المنفي لا تزال غائبة عن طاولة الأفرقاء السياسيين.
المفارقة لا تتوقف هنا. ففي بلد تتعدد فيه اللجان لدرجة "تشكيل لجان لإيجاد تقارب بين لجنتين"، كما يقول النجار، فإن النتائج على الأرض شبه معدومة. ملفات الجرائم تبقى مفتوحة، وقضايا حقوق الإنسان معلقة، والعدالة الانتقالية مجرد حبر على ورق، بينما يطوي الزمن الحوادث دون الوصول إلى الجناة أو جبر ضرر الضحايا.
وحتى عندما تتدخل الأمم المتحدة، فإنها غالباً ما تنخرط في نفس الدوامة. فبعد تشكيل اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" ولجنة "6+6" الانتخابية، أعلنت البعثة الأممية عن "لجنة استشارية"، ثم "لجنة لإدارة الحوار المهيكل"، ومؤخراً رحبت بتشكيل "لجنة وساطة" لحل النزاع حول القضاء الدستوري. هذا التدخل الأخير قوبل برفض قاطع من المحكمة الدستورية العليا، التي اعتبرته "تدخلاً غير مقبول في القضاء"، مما يضيف طبقة جديدة من التعقيد.
ويرى مراقبون، مثل عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ضو المنصوري، أن "الإفلاس السياسي هو الإطار المسيطر"، وأن اللجان أصبحت مجرد أداة تستخدمها الأطراف المتنازعة لتحقيق مكاسب وتمرير الوقت، بدلاً من كونها آلية حقيقية للحل.
في المحصلة، تبدو ليبيا غارقة في متاهة من البيروقراطية السياسية، حيث كل أزمة تولّد لجنة، وكل لجنة تولّد انقساماً جديداً أو تذوب في صقيع اللامبالاة. وفيما تتواصل الاجتماعات وتصدر البيانات، يبقى المواطن الليبي هو المتفرج الوحيد على مسرحية عبثية، ينتظر حلاً لا يأتي، من لجان لا تنتهي.







