قناة بنما: محور التجارة العالمي تحت ضغط متزايد

في ظل التوترات المتزايدة التي تشهدها طرق التجارة العالمية، برزت قناة بنما كخيار استراتيجي لنقل النفط والغاز إلى آسيا. وسجلت القناة ازدحاماً غير مسبوق في حركة السفن وارتفاعاً كبيراً في رسوم العبور، مما يعكس دورها كممر حيوي للتجارة الدولية. وأدت تداعيات إغلاق مضيق هرمز إلى تفاقم الأوضاع، حيث أصبح نقل الطاقة عبر القناة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
أصبحت قناة بنما، التي تعد ثاني أهم ممر مائي اصطناعي بعد قناة السويس، الخيار المفضل للشحنات بين المحيطين الأطلسي والهادئ. وأكدت التقارير أن الشركات الشحن الآسيوية أصبحت تعتمد على القناة بشكل متزايد لنقل النفط والغاز في ظل الأزمات الجيوسياسية المتزايدة. ويعود تاريخ فكرة القناة إلى القرن السادس عشر، حيث لاحظ المستكشف الإسباني فاسكو نونييث ضيق المسافة بين المحيطين، لكن المشروع لم يتحقق حتى القرن العشرين.
تولى الفرنسيون المحاولة الأولى لبناء القناة، لكنهم واجهوا تحديات طبيعية وأمراض استوائية أدت إلى تعثر المشروع. وفي مطلع القرن العشرين، تولت الولايات المتحدة المشروع وأنجزته بعد عقد من العمل بتكلفة بلغت 380 مليون دولار، حيث توفي نحو 20 ألف عامل خلال تنفيذ المشروع قبل افتتاح القناة رسمياً عام 1914.
على مر السنوات، ظلت القناة تحت السيطرة الأمريكية حتى نقلت إدارتها تدريجياً إلى بنما بموجب اتفاقيات وقعها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ورئيس بنما عمر توريخوس، وصولاً إلى تسلم بنما السيطرة الكاملة عام 1999. وفي عام 2016، أعيدت مناقشة السيطرة الأمريكية على القناة، مما تسبب في توترات مع الحكومة البنمية التي أكدت على سيادتها على القناة.
تعد قناة بنما إنجازاً هندسياً فريداً، حيث اختصرت المسافة بين المحيطين من 21 ألف كيلومتر إلى نحو 8 آلاف كيلومتر، مما سمح بمرور أكثر من 160 دولة و1700 ميناء حول العالم. كما يمر نحو 6% من حجم التجارة العالمية عبر القناة سنوياً. وتعتمد القناة على نظام الأهوسة المائية الذي يرفع السفن إلى ارتفاع 26 متراً فوق سطح البحر، ويستغرق عبور القناة ما بين 8 و10 ساعات لكل رحلة.
مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط، تحولت قناة بنما إلى مسار بديل رئيسي، حيث سجلت عبور 6288 سفينة بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، بزيادة 224% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما تضاعفت رسوم العبور لأكثر من مرتين ونصف، مما يعكس الطلب المتزايد من شركات الشحن، خاصة لنقل الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة إلى آسيا.
قال رئيس القناة ريكورتي فاسكيز إن الممر يعمل بأقصى طاقته، مع عبور يومي يتراوح بين 36 و38 سفينة، في وقت تتجه فيه الإدارة لزيادة عدد ناقلات الغاز المسموح بمرورها يومياً. وفي سياق هذا الضغط، لجأت بعض الشركات لدفع مبالغ استثنائية للحصول على أولوية العبور، وصلت إلى نحو 4 ملايين دولار، بينما ارتفع متوسط تكلفة عبور السفينة الواحدة من 140 ألف دولار إلى 385 ألف دولار خلال شهرين فقط.
تعتبر قناة بنما ركيزة اقتصادية لبنما، حيث حققت إيرادات بلغت 5.7 مليار دولار عام 2025، لكنها تواجه اليوم اختباراً غير مسبوق لقدرتها الاستيعابية. عالمياً، باتت القناة تمثل خط الدفاع الأخير لاستمرار تدفق التجارة، في وقت تعيد فيه الأزمات الجيوسياسية رسم خريطة النقل البحري وطرق الطاقة حول العالم.







