غزة تشتكي: دار رعاية فرنسية تنتزع اطفالا فروا من الحرب

في قطاع غزة، تعيش رغدة الشيخ، الأم التي غادر أطفالها إلى فرنسا في بداية الحرب، تراقب من بعيد كيف يتلاشى عالمها شيئا فشيئا.
حين غادر زوجها أحمد وأطفالها الثلاثة: ربحي (11 عاما)، نور (10 أعوام)، وحسام الدين (8 أعوام) القطاع بمساعدة وزارة الخارجية الفرنسية، بدا الأمر وكأنه نصر صغير على الحرب.
كانت رغدة سعيدة بنجاتهم من الحرب، وتأمل أن تلحق بهم سريعا بعد إتمام إجراءات سفرها إلى فرنسا، ليجتمع شمل أسرتها من جديد.
لكن ما حدث كان قاسيا، فبعد نصف عام من وصولهم إلى فرنسا، انتزعت السلطات الحكومية أطفالها الثلاثة من والدهم وأودعتهم لدى دار رعاية، وقطعت تواصلهم مع العائلة.
لاحقا، منعت السلطات الفرنسية الأم المقيمة في غزة من التواصل المرئي مع أطفالها، وقصرته على الرسائل المكتوبة، دون مبرر مقبول، وفق الأم التي تعيش حالة صدمة.
ولعل أكثر ما آلم الأم هو أنها في آخر محادثاتها المرئية مع صغارها قبل نحو عام، احتاجت إلى مترجم للتحدث معهم لأنهم بدأوا يفقدون ثقافتهم العربية.
قبل الحرب، كانت رغدة ترعى أطفالها في منزل العائلة بحي الشيخ رضوان شمالي غزة، وفي الوقت نفسه تدرس هندسة الديكور وتجهز لتقديم مشروع تخرجها، وتحلم بتنفيذ مشاريع مهنية عديدة.
لكن الحرب لا تترك مجالا للأحلام الصغيرة، فخلال أيام معدودة، تحول منزلها إلى ركام، وتبدل مسار حياتها إلى سلسلة من الصدمات التي لا تنتهي.
فحينما بدأت الحرب في السابع من أكتوبر، كانت السيدة الغزية في زيارة لمنزل ذويها، قبل أن تنزح معهم باتجاه مخيم النصيرات وسط القطاع، بينما انتقل زوجها مع أطفالها إلى مدينة خانيونس في الجنوب.
وبسبب قطع الاتصالات وشبكة الإنترنت في ذلك الوقت، لم تتواصل الشيخ مع زوجها، ولم يعرف أي منهما مكان إقامة الطرف الآخر.
ولاحقا، في ديسمبر، تمكن والد زوجها ربحي الشيخ من السفر إلى باريس بمساعدة وزارة الخارجية الفرنسية، مصطحبا معه أبناءه وأحفاده ومن بينهم الأطفال الثلاثة، فيما بقيت الأم وحيدة في غزة.
تقول الأم إنها حينما علمت بسفر زوجها وأطفالها، شعرت بالفرحة والحزن في آن معا، فقد اطمأنت عليهم من خطر الموت خلال الحرب، وفي الوقت ذاته شعرت بالألم الشديد والوحشة على فراقهم.
بدت فرنسا خيارا جيدا لعائلة الشيخ، وظنت العائلة أنها ستبدأ هناك مرحلة التعافي من آثار الحرب القاسية.
لكن ما جرى لم يكن في الحسبان، فبعد بضعة أشهر، وتحديدا في 15 يوليو، احتجزت السلطات الفرنسية ممثلة بمؤسسة رعاية خدمات حماية الطفولة، صغار عائلة الشيخ الثلاثة ربحي ونور وحسام الدين، وحظرت عليهم التواصل مع أسرتهم.
ويرى الجد ربحي الشيخ المقيم في فرنسا أن الأسرة كانت مخطئة حينما ظنت أنها في أمان حينما فرت من الحرب إلى فرنسا.
ويقول في بيان أصدره إن انتزاع الأطفال من حضانة والدهم جاء بعد تقديم بلاغ ضده يفيد بتعنيف أطفاله، دون أي دليل طبي أو مدرسي.
ويضيف حتى المحكمة نفسها لم تجد أي تقرير طبي أو مدرسي يثبت مثل هذه الادعاءات، وخلال جلسة عقدت في 30 مارس، عبر الأطفال عن رغبتهم في رؤية جدهم وعمهم، ودافع محامي العائلة ومحامي الخدمات الاجتماعية ومحامي الأطفال جميعهم عن ضرورة إعادة العلاقة بين الأب وأطفاله، وأكد مركز الاستقبال في موريستيل أنه يجب إعادة ربط الأطفال بعائلتهم.
وفي وصفه لواقع أحفاده، أكد ربحي أن هؤلاء الأطفال مفصولون عن والدهم وعن أجدادهم وعن لغتهم وعن ثقافتهم وعن والدتهم منذ ما يقارب عامين، وهذه ليست قضية سياسية بل قضية إنسانية، نناشد كل صاحب ضمير في فرنسا وفي العالم أن يساند مسعانا القانوني والإنساني لعودة هؤلاء الأطفال إلى بيتهم.
وحيدة، تقيم رغدة في مركز لإيواء النازحين في مدينة غزة، بانتظار السماح لها بمغادرة القطاع إلى فرنسا لجمع شملها مع زوجها وأطفالها أو إعادتهم إليها، كما تقول.
ولا تملك هذه الأم سوى مناشدة كل من يستطيع المساعدة أن يمد لها يد العون كي تنتهي مأساتها المستمرة.
وطوال الأشهر الماضية، كانت هذه الغزية تحاول أن تبقي خيط الاتصال مع صغارها حيا، فكانت مكالمات الفيديو متنفسا وحيدا.
ورغم شعورها بالألم الشديد لاحتياجها إلى مترجم للتواصل مع صغارها، إلا أن تلك المكالمات المصورة كانت تمنحها القدرة على الصمود، وتقول نتحدث بلغتين مختلفتين بواسطة مترجم، كأنني أتعرف على أولادي من جديد.
بالنسبة للأم، لم يكن الأمر متعلقا فقط بالعربية كلغة، بل بكل ما تحمله من ذكريات وتفاصيل صغيرة بين الأم وصغارها، إلا أن السلطات الفرنسية وبشكل غير مبرر منعتها قبل نحو عام من التواصل المرئي عن بعد مع أولادها، بحجة أن ذلك يؤثر في حالتهم النفسية.
ومنذ ذلك الحين فإن المسموح لها هو إرسال رسائل مكتوبة فقط للاطمئنان على أطفالها، دون أن تتلقى ردودا سريعة منهم، فقد يصلها الرد بعد عدة أسابيع ودون أن يحمل معلومات تطمئنها على أحوالهم.
وتقول الأم إن أبناءها الذين كانوا الأوائل في مدارسهم في غزة، قد تدهور مستواهم الأكاديمي حسب ما يردها من أنباء، وذلك بسبب عدم وجود أسرة تتابع دروسهم.
وتتساءل كيف يبدون الآن؟ هل كبروا؟ هل ما زالوا يتذكرون تفاصيل بيتهم في غزة؟ من يوقظهم صباحا ومن يحضنهم حين يخافون؟
لا تجد الأم عزاءها سوى فيما تبقى من ملابسهم وألعابهم التي جمعتها من بين ركام منزلها، فهذه الدمية لحسام الدين وكان يحبها كثيرا، أما هذا القميص فهو لربحي لكنه صغير عليه الآن.
ومما يزيد من آلامها فقدان أثاث منزلها وحاجيات أطفالها بعد تدميره، واضطرارها للعيش في خيام ومراكز إيواء لا تصلح للسكن الآدمي، وتطبطب على نفسها مع كل هذا الألم بتقليب صور أطفالها التي تصلها من زوجها البعيد.
فوجود أطفالها في دار رعاية في فرنسا أمر مخيف بالنسبة لها، وعبرت عن قلقها حيال ذلك بالقول أنا خائفة جدا عليهم، وأخشى أن يحرموني منهم إلى الأبد أو أن يعطوهم لعائلة أخرى من غير ديننا وقوميتنا، لأنهم بعد فترة سوف ينسون ديننا وعاداتنا وتقاليدنا.
وتتابع حاليا لا أعرف عنهم شيئا.. لا أعرف من يرعاهم ومن يصطحبهم إلى المدرسة ومن يشرف على تربيتهم ونظافتهم وكافة شؤونهم.
لا تنفي الشيخ أنها فرحت حينما علمت بنبأ مغادرة أولادها قطاع غزة في بداية الحرب، لاعتقادها أن هذا في صالحهم وسيحميهم من خطر الحرب.
لكن ما جرى معهم لاحقا غير رأيها بشكل كامل، وجعلها تتمنى لو أنهم لم يغادروا، ليتهم لم يخرجوا، وتنفي الأم أي اتهام موجه لزوجها بممارسة العنف ضد أطفالها، مؤكدة أنه حنون جدا على أولاده وحريص على رعايتهم وتقديم أقصى ما يمكن لإسعادهم.
وختمت حديثها مدافعة عنه لا أصدق هذه الاتهامات، زوجي أحمد حنون جدا، كان يأخذهم دائما للنزهة في ميناء غزة وفي الحدائق ومدن الملاهي، وحريصا على الاحتفال بأعياد ميلادهم وشراء الملابس والألعاب لهم.







