الذكاء الاصطناعي والرواية: هل يهدد الابداع الانساني ام يعيد رسم الخريطة الادبية؟

لم يكن انتظار اصدار رواية جديدة لكاتب مشهور حدثا عاديا، فقد اعتاد رواد الادب على ترقب اي اصدار على احر من الجمر، خاصة ان كانت الروايات لاجزاء محببة، كما لم يكن اقتناء رواية جديدة سهلا ايضا، حيث يقف عشاق الروايات احيانا في طوابير طويلة امام المكتبات للحصول على نسخة اصلية او نسخة موقعة من كاتب الرواية.
لكن اليوم وفي ظل التطور والتقدم الذي نشهده، اختلف المشهد كثيرا، فاصبحت الروايات متوفرة بنسخ مسروقة او مسربة على الانترنت، وبعيدا عن متعة الكتاب الورقي، صارت الروايات تطرح كنسخ الكترونية للحواسيب اللوحية.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، فاليوم يعيش العالم ازمة جديدة بسبب الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد كتابة الرواية امرا معقدا او طويلا او بحاجة لانتظار، لان نماذج الذكاء الاصطناعي اصبحت قادرة على تقديم قصص وروايات ومسودات احداث خيالية وتشويقية دون الحاجة لان يكون هناك كاتب لها او نابعة من حس ادبي انساني حي.
فكيف استطاع الذكاء الاصطناعي ان يكتب مكان الانسان؟ وهل يمكن ان يحل مكان روح الاديب ولمسته الانسانية في الكتابة؟
قبل ان نناقش خطر الروايات والقصص المولدة بالذكاء الاصطناعي يتوجب علينا ان نفهم الية العمل، حيث ان النماذج اللغوية الكبرى مثل جي بي تي 4 وكلود وجيميناي لا تبدع من فراغ ولا تكتب من عقلها المبرمج، بل انها تستهلك كميات هائلة من النصوص البشرية في مرحلة التدريب، اي عند اعداد النموذج نفسه وابتكاره، حيث تعتبر الكتب المحررة والمنشورة من اكثر المصادر قيمة بالنسبة لها لعدم احتوائها على اخطاء، الامر الذي يجعلها كالجواهر الثمينة لهذه النماذج.
لكن المشكلة في ان غالبية هذه الشركات لم تستاذن اصحاب هذه الكتب، وفقا لما ورد في دعوى رفعتها نقابة الكتاب الامريكيين ضد اوبن ايه اي عام 2023، قالت فيها ان "هذه الخوارزميات هي قلب المشروع التجاري الضخم وفي قلب هذه الخوارزميات تقع سرقة منهجية على نطاق واسع"، حيث كانت الكتب المستخدمة في تدريب جي بي تي 3.5 وجي بي تي 4 قد جردت من مستودعات قرصنة الكترونية ثم نسخت في بنية النموذج ذاتها.
وفي هذه الدعوى التي ضمت اكثر من 17 روائيا طالبت بايقاف اوبن ايه اي عن مواصلة استخدام اعمال الكتاب لتدريب نماذجها وبتعويضات مالية قد تصل قانونيا الى 150 الف دولار عن كل عمل منتهك حقوقه.
تعتبر منصة كيندل دي بي التابعة لامازون من اكثر المنصات معالجة للكتب الرقمية، حيث تشير التقارير الى المنصة تعالج وحدها ما يقارب 1.4 مليون عنوان نشر ذاتي سنويا وهي تجني ما يصل الى نحو 28 مليار دولار من مبيعات الكتب حول العالم.
لكن منذ 2023، بدات المنصة تشهد ظاهرة غير مسبوقة، حيث بدات تظهر عشرات النسخ بشكل يومي لكتب مولدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي وبعضها يحمل اسماء روائيين حقيقيين.
فقد اكتشفت الكاتبة الكندية كاثرين تساليكيس عام 2024 وجود نسخة مزيفة من كتابها في صفحتها ذاتها على امازون بغلاف مشوه بالذكاء الاصطناعي ونص يعكس كلماتها بشكل محرف، لكن المنصة ردت باجراءات وقائية محدودة منها تحديد الحد الاقصى بثلاثة كتب يوميا لكل كاتب والزام الناشرين بالافصاح عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، كذلك بدات شركة بارنز اند نوبل الامريكية بحذف الاف العناوين منخفضة الجودة من متجرها الالكتروني ضمن مبادرة لضبط الجودة.
وفي السياق ذاته، سجلت منصة "درافت تو ديجيتال" الامريكية ارتفاعا في حجم المواد الواردة اليها بنسبة 50% مقارنة بالمعدل المعتاد عام 2024، حيث قال المدير التشغيلي للمنصة ان المنصة تتبع الحسابات المشبوهة بناء على انماط النشر غير الطبيعية، مؤكدا ان الجهات السيئة النية باتت تعتمد على الذكاء الاصطناعي بعد ان كانت تلجا الى كتاب باجور زهيدة في دول نامية، واضاف ان "الكتاب العاديين لا ينشرون عشرة كتب في يوم واحد".
ربما يكون الخطر الاشد غموضا والاعمق اثرا هو تهديد الجودة الادبية ذاتها، فالدراسات اظهرت ان القراء لا يستطيعون بسهولة التمييز بين المواد المولدة بالذكاء الاصطناعي والمواد المكتوبة بايد بشرية، حيث نجح نص تم توليده بالذكاء الاصطناعي في اجتياز جولة التصفية الاولى لجائزة هوشي شينيتشي الادبية اليابانية بينما لم يكن المحكمون يعلمون ان اصله مكتوب بالذكاء الاصطناعي.
ورغم ذلك فقد اشارت دراسة اكاديمية من منصة اركايف الامريكية الى ان الكتابة الابداعية للذكاء الاصطناعي "لا تزال تتسم بالابتذال والنثر المنمق والاسترسال غير الضروري"، وان الاعتماد على الادوات التوليدية "يقلص التنوع الاجمالي في محتوى الروايات".
وفي السياق ذاته، حذر تقرير لجامعة كامبريدج البريطانية بصراحة من ان الذكاء الاصطناعي قد يقود الى روايات اكثر سطحية واكثر نمطية تكرس الصور النمطية اذ تعيد النماذج ما استوعبته من قرون من النصوص السابقة، ومن المفارقة ان ثلث الروائيين المستطلعين يقرون باستخدام الذكاء الاصطناعي في مهام غير ابداعية كالبحث وذلك قبل البدء في الكتابة.
تعتمد منصات مثل "كراكتر ايه اي" على نماذج لغوية تتوقع الكلمة التالية بناء على احتمالات احصائية، وبذلك هي تمنحك "محاكاة" للشخصية لكنها تفتقر الى ما يسميه النقاد "وحدة المصير"، فالروائي لا يكتب حوارا فحسب بل يبني فلسفة كاملة وتطورا نفسيا نابعا من تجربة انسانية حقيقية من الم وفقد ونشوة وهو ما يعجز الذكاء الاصطناعي عن الشعور به مهما بلغت دقة محاكاته.
كما ان الذكاء الاصطناعي يوفر متعة لحظية وتفاعلا لا نهائيا لكنه غالبا ما يفتقر الى الرؤية الشاملة فالرواية التي يولدها الذكاء الاصطناعي تضيع احيانا في تفاصيل الحوار وتفقد "الحبكة الكبرى" او التماسك الدرامي الطويل، اما الروائي فهو يمتلك القدرة على زرع بذور في الفصل الاول لا تزهر الا في الفصل الاخير وهذا النوع من التخطيط الاستراتيجي للمشاعر هو ميزة بشرية بامتياز حتى الان.
لكن وسط هذا المشهد، يطرح كثير من الادباء والباحثين تساؤلا جوهريا: هل حقا يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدا مطلقا؟ وكانت الاجابة للدراسة الاكاديمية من اركايف وكانت نافية مع تحفظ، فالدراسة اعتمدت على مقارنة منهجية بين نصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي ونصوص بشرية امام لجنة محكمين من طلاب دكتوراه في الادب، خلصت الى ان الذكاء الاصطناعي ينتج نصا "وسطيا" يعكس متوسطا احصائيا لملايين الاصوات لا صوتا فريدا وان الاعتماد على هذه الادوات يقلص التنوع الجماعي في الادب.
في المقابل، يلاحظ ان بعض الروائيين يتوقعون ازدهار الكتابة التجريبية كرد فعل على "الاسلوب الالي"، اي ان الضغط قد يدفع الكتابة الانسانية نحو حدودها القصوى بدلا من ان يفنيها وذلك حسب تقرير جامعة كامبريدج.
من جانب اخر ومن الناحية الفنية، فان الخطر يمتد الى "البناء الهيكلي" للرواية، فبينما يمتلك الروائي البشري قدرة التخطيط الدرامي طويل الامد تظل الخوارزميات بحسب تقرير "ذا كونفرزيشن" حبيسة "المتعة اللحظية" والحوارات المكررة مما ينتج روايات تفتقر الى "وحدة المصير" او العمق النفسي الصادق.
ومع ذلك، تشير نقابة الكتاب الامريكية الى ان التكنولوجيا ليست شرا مطلقا اذا ما وضعت تحت اطار قانوني صارم مثل "قانون الذكاء الاصطناعي الاوروبي" الذي بدا يفرض وسم المحتوى الالي لضمان الشفافية.
لكن يبقى التحدي الوجودي امام الروائي المعاصر هو الحفاظ على "البصمة البشرية" والصدق العاطفي وهي مناطق لا تزال الالة عاجزة عن اقتحامها رغم كل ذكائها الاصطناعي لان الرواية في جوهرها هي "شهادة انسانية" وليست مجرد ترتيب متقن للكلمات.
ويقول المراقبون ان ما يكشفه الرصد الميداني والارقام والمواقف القانونية هو ان الذكاء الاصطناعي لن ينهي الرواية لكنه سيعيد رسم خريطة من يستطيع الكتابة والعيش منها فالكتاب الاكثر ضعفا هم المبتدئون الذين يمتهنون الكتابة كتجارة، اما الاصوات الادبية العميقة فهي تبدو حتى اللحظة في مامن نسبي، لكن لا احد يضمن استمرار هذا الوضع مع تطور النماذج المتسارع.
ويؤكد المراقبون ايضا ان الازمة الحقيقية ليست ما تكتبه الالة اليوم بل ما لن يستطيع الكاتب الانساني كتابته غدا اذا جففت المنابع قبل ان تنضج الاصوات الجديدة، وفي لحظة تاريخية يتصاعد فيها الاستقطاب بين الكم والنوع علينا ان نعيد صياغة سؤال: هل يكتب الذكاء الاصطناعي جيدا؟ ليصبح السؤال الجديد: هل نريد ان تحكى القصص والروايات بمعادلات رياضية؟







